واحة المطوية: الماء والأرض والإنسان
من عشرين مصدر مياه إلى «بلاد النخلة ما تخلى» — رحلة في اقتصاد الواحة وثقافتها
مقدمة
لضمان عيشه، استغل المطوي محيطه الطبيعي في مختلف أغراضه الحياتية. وشكّلت الواحة بدرجة أولى — والتي تنقسم على غرار شواطئ المطوية حسب عروش القرية — الفضاء الأرحب لمساعدته على إيجاد العناصر الضرورية لتوفير قوته اليومي. فتمتّنت علاقته مع الغابة التي أغدقت عليه عطاءً وفيرًا وخيرات متنوعة، خاصةً وأن مصادر المياه المتعددة التي تحتضنها الواحة كان لها دور المساهمة في انتعاشة القطاع الفلاحي بهذه الربوع.
الماء أساس الاستقرار
ساهم الماء في ظهور العديد من الحضارات بفضل حسن استخدام الإنسان لعقله في البحث والكشف عن مقومات حياته الأساسية، فالتجأ إلى استنباط أنجع الطرق لتوفير مصادر المياه الصالحة للشراب والري، حتى توفّق في إيجاد مصادر مؤمّنة لاحتياجاته المتنوعة من ري أرضه وشرابه اليومي.
وفرة مصادر المياه
ولأهمية الماء في هذه الربوع، وصل عدد مصادر المياه من عيون وآبار ارتوازية بواحة المطوية وما جاورها إلى أكثر من عشرين منبعًا خلال النصف الأول من القرن الماضي.
🌊 مصادر المياه بواحة المطوية
النشع والصمار
من الدلائل القاطعة على وفرة كميات المياه بواحة المطوية ما تعرّضت إليه قرية الماية القديمة المنتصبة بأطراف الواحة من تكاثر النشع والمياه الراكدة التي شكّلت خطرًا محدقًا بصحة المتساكنين والبيئة، مما أفرز انتشار بعض الأمراض وخاصة الرمد. ولعلّ المياه الراكدة كانت سببًا في توفير المادة الأولى لصناعة الصمار، وهو ما دفع بهذه الصناعة إلى تواصلها عبر الأجيال.
«غابة نخيل جميلة»
ظلّت واحة المطوية عبر حقب زمنية ماضية وإلى يومنا هذا موردَ رزق للمستقرين حولها لما لها من دور أساسي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب جمال مظهرها الطبيعي ومساهمتها الفاعلة في المحافظة على التوازن البيئي. وقد وصف أحد الرحّالة المطوية بأنها قرية بإفريقية في نخل وجنات ومياه جارية، وهي غابة نخيل جميلة وموقعها بين البحر والجبل والسهول الزراعية وجوّها صحي.
الخدمات الفلاحية بلا أجر
تُعدّ الخدمات الفلاحية سمةً متميزة لعلاقات المطويين، فإن شارك بعضهم في أعمال مختلفة فإنهم لا يتقاضون أجرًا. ومن لم يتوفّق في القيام ببعض الأعمال الفلاحية فلن يخيب ظنّه في استجابة أحد الجيران أو الأقارب لدعوته إلى مشاركته في إعداد الأرض أو عند الزراعة أو الري، كما يمكنه أن يستلف الدابة من أحدهم لحمل المواد العضوية أو المنتوج الفلاحي للبيع.
إنصاف في توزيع الري
من الطرق التقليدية المميّزة في واحة المطوية، التي تتميّز بتقلّص المساحات داخلها من جيل لآخر بسبب الوراثة، أن الورثة تشبّثوا بقطعهم الصغيرة ولم يفوّتوا فيها السقي بـ«القيدوس» الذي بواسطته يتمّ ضبط فترات الري بإنصاف بين الفلاحين. ولا تنحصر عملية السقي في النهار فقط، بل تُقام أيضًا في الليل خاصةً أثناء فصل الصيف.
إلهام الأدباء والشعراء
تُعدّ الواحة مصدر إلهام للعديد من الأدباء والشعراء لإنتاجهم النثري والشعري، وقد جاءت ندوة «أدب الواحة» ضمن فعاليات مهرجان العين بالمطوية تأكيدًا على دور الواحة في إثراء زاد المولعين بالمجال الأدبي والفكري.
البل والسباحة وقصعة العريس
شكّلت واحة المطوية ميدانًا فسيحًا لممارسة شباب المنطقة العديد من الألعاب الشعبية كـ«البل» وتسلّق الأشجار، كما استغلّ الشباب العيون الجارية للسباحة والغطس. وأثناء حفلات الأعراس تستقبل الواحة إثر إقامة «الصف» بمنزل العروسة قصعة العريس التي أحيطت بمجموعة من الشباب صحبة الطبّال والزكّار لتناول كسكسي العرس.
منارات ثقافية ودينية
من المنارات الثقافية والدينية التي مازالت قائمة داخل الواحة: الزوايا (سيدي عبد القادر — سيدي عبد السلام — سيدي بن عيسى). وقد استُغلّت هذه الزوايا ككتاتيب لتعليم القرآن والكتابة، ولئن حافظت زاويتا سيدي عبد القادر وسيدي عبد السلام على الصمود، فإن زاوية سيدي بن عيسى آلت إلى الاندثار ولم يبقَ منها إلا النزر القليل من بنايتها.
التمر ذخيرة أيام الشدة
تبقى التمور، التي لا تقلّ أهمية عن تمور جهة الجريد، من أهم منتوجات الواحة، حيث تستمر النخلة شامخة ورمزًا للحياة والعطاء اللامحدود. فرغم سنوات الجفاف والمجاعة الحرجة التي مرّت بها البلاد التونسية خاصةً في الثلاثينيات، لم تتأثر المطوية ومتساكنوها بهذه الأزمة.
«شجرة النخيل تشرب حليبها»
يذكر المناضل محمد الصالح جراد أنه عندما حاول الكوميسار الفرنسي انتزاع تراجعه عن الانتماء للحركة الوطنية بشراء ضميره، لأنه رجل ذو عائلة كبيرة العدد ولا ثروة له، ردّ قائلًا: «أنا وعائلتي رزقها على الله مضمون، وإن قُدّر لها أن تذوق ألم المجاعة بعدي فعندها شجرة النخيل تشرب حليبها مع شيء من سويقة الشعير».
موسم الجني والبوحطم
يمثّل موسم جني التمور بواحة المطوية مناسبة لتجنيد العائلات بصغيرها وكبيرها، إذ يُعدّ المحصول ذخيرة لأيام الشدة، ويدخل في عادات أهالي المطوية الغذائية اليومية. وتمثّل التمور، وخاصة «البوحطم»، سلاحًا واقيًا أثناء فترة الجفاف والمجاعة لسهولة خزنه وحفظه لمدة طويلة، وهو ما جعل العائلات تحرص على خزنه في «الخوابي» للاستهلاك اليومي وعند الحاجة.
خاصيات التمر
وللتمر خاصيات طبية عديدة، فهو يساعد المرأة الحامل على تهدئة حالتها العصبية عند الولادة بكل يسر، وهو ما جعل الله سبحانه يُفضّل أن يكون التمر الغذاء المناسب لسيدتنا مريم عليها السلام عندما جاءها المخاض لمساعدتها على الولادة.