المطوية والعهد الروماني: بحثًا عن أثر غائب
من طرف الماء وواحة العوينات إلى اكتشاف ربوة غنيدر سنة 1987
إشكالية المصادر
إن انعدام مصادر التوثيق المكتوبة التي تهم حيثيات تاريخ المطوية يجعل البحث أو قراءة هذا التاريخ غير مكتمل، وربما مرده تواضع عدد المتساكنين في هذه المنطقة، مما جعل المطوية غير ملفتة لنظر الرحالة والمؤرخين والمهتمين بتدوين التاريخ عمومًا، أو أن هذه القرية لم تكن في موقعها الحالي ضمن مسلك كان بعيدًا عن وجهة الرحالة.
ومع ندرة هذه المصادر، فقد عُثر على نزر قليل من المراجع التي تعود إلى فترة ما قبل احتلال بلادنا، فالمستعمر الفرنسي بادر بإجراء استكشاف جغرافي لتأمين ظروف إقامة جيوشه من توفير الماء والأراضي الخصبة ضمانًا لاحتياجاته المعيشية اليومية.
قابس وخليج سرت الصغرى
تميّزت جهة قابس على مرّ العصور بفترات تاريخية هامة تداولت عليها حضارات مختلفة، خاصةً وأن الرومان ركّزوا اهتمامهم على المناطق الساحلية لتعاطي التجارة البحرية والأنشطة الفلاحية. فقد عُرفت مدينة قابس منذ القديم بميناءها البحري قبل أن تُعرف بالواحة، وهو ما ساهم في تنشيط الحركة التجارية بين المدينة وقرطاج، وتمويل السوق الإفريقية بالحرير والموز والتمر والعنب وقصب السكر والخوخ. واسم خليج قابس، الذي كان يُسمى «سرت الصغرى»، يعود ظهوره لأول مرة إلى سنة 1570م.
Lacene – دار الفجانية
ونتساءل هل كانت المطوية تابعة للسلطة الرومانية آنذاك؟ فنظرًا لطول ساحل المطوية البحري (نحو 30 كلم) وقربها من قابس، فإن قيام حضارة لهذا العهد غير مستبعد بالمرة. وقد جاء في كتاب «المفكرة والوثائق حول الطرق الاستراتيجية والاحتلال العسكري للجنوب التونسي في العهد الروماني» أن طرف الماء (Lacene) — دار الفجانية مدينة بحرية ذات أهمية قليلة تركّزت على ضفتي وادي الرخامة، اكتسبت ميناءً طبيعيًا صغيرًا يمنح أيضًا مخبأً متميزًا لمراكب صيادي الشاطئ.
المسافة بين طرف الماء والعوينات
وعن العوينات (Ad Palmam) يُذكر أنها محطة لم نجد فيها سوى بعض الآثار وعبارة اعتمدت على افتراض تواجد واحة بهذا الموقع خلال العهد الروماني. ومن خلال ما جاء في كتاب G.c de la province romaine، فإن الستة أميال المسجلة بين لاسين وآد بلمام تقودنا بالضبط من طرف الماء إلى واحة العوينات القريبة من المطوية، حيث نجد بعض الأنقاض القديمة التي يمكن اعتبارها آخر محطة في طريق طينة — تكاب والعوينات، على مسافة 12 ميلًا من قابس.
وذرف والمطوية وتبلبو بلا أنقاض
أشار المؤلفون في كتاب «المفكرة والوثائق» إلى أن قرى وذرف والمطوية وتبلبو لا تضم أنقاضًا قديمة، وأنها لم تكن قد خلّفت كتلًا رومانية أو بيزنطية، وتمثّلت الآثار الوحيدة المكتشفة إما أنشطة فلاحية وإما حصونًا أو مراكز عسكرية. وهذه الإشارات تُبرز العلاقة الوطيدة بين الرومان والبحر وخدمة الأرض، فليس من الصدفة أن تنتصب العديد من الواحات بجهة قابس، وفي ذلك أبعاد اقتصادية لتنشيط حركة التصدير عبر النشاط التجاري البحري.
اكتشاف ربوة غنيدر
على غرار ما شهدته منطقة العوينات (Ad Palmam) وشواطئ المطوية كالرخامة وحيدوس من شواهد قديمة مازالت صامدة من حجارة ضخمة وبقايا حيطان، امتدت هذه الوثائق التاريخية إلى واحة المطوية من خلال الاكتشاف الأثري الهام الذي سُجّل سنة 1987 في ربوة غنيدر شمال واحة المطوية. وتمثّلت العينات المكتشفة في أفران الطين وشذرات من لوحات فسيفساء وقطع من الرخام مختلفة الألوان والأشكال والأحجام، ونوع من القرميد أحمر اللون يُرجّح أن أثرياء ذلك العهد استعملوه في تزيين منازلهم. وهذه المكتشفات تتطلب دراسة معمّقة لتحديد قيمتها الحضارية وفترتها التاريخية.
قرية في نخل وجنات ومياه جارية
يصف محمد عبد المنعم الحميري في كتابه «الروض المعطار» المطوية بأنها قرية بإفريقية في نخل وجنات ومياه جارية.
الخلاصة
رغم شح المصادر المكتوبة، تكشف الإشارات المتناثرة في المراجع الرومانية والبيزنطية والجغرافية العربية أن المطوية، وإن لم تخلّف أنقاضًا رومانية واضحة، ظلت جزءًا من مجال جغرافي نشط تجاريًا وفلاحيًا، وأن اكتشاف ربوة غنيدر سنة 1987 يفتح بابًا لدراسة أعمق قد تعيد رسم ملامح تاريخ هذه المنطقة العريقة.