«كار حشيشة»: حين كانت الحافلة تحمل الأمانة والشوق
كيف كان أبناء المطوية المستقرون بالعاصمة يوصلون الأموال والأخبار إلى أهاليهم عبر «الأمين»
المقدمة
كان المستقرون من أبناء المطوية في العاصمة يرسلون إلى أهاليهم في القرية الأموال نقدًا ومختلف الحاجيات الأخرى بواسطة الحافلة التي يطلقون عليها اسم «كار حشيشة»، نسبة إلى لقب سائق أول حافلة دخلت المطوية. وكانت سفرات الحافلة يومية، وهو ما جعلهم يكلفون أحدهم بمهمة «الأمين»، وهي مهمة يقتضي الاضطلاع بها الانتقال بين مسقط الرأس المطوية والعاصمة لإيصال الأمانات.
انتظار الحافلة بعد الواحدة زوالًا
إذا تجمّع الأطفال والنساء في «المنشر» حيث تنتصب المحطة بعد الواحدة زوالًا، فإنهم ينتظرون قدوم الحافلة من العاصمة؛ فمنهم من يرتقب أحد الأقرباء، ومنهم من ينتظر هدية أو رسالة من الأب أو من الزوج، والكل يكونون في شوق لوصول «كار حشيشة» لعلها تأتيهم بما جاؤوا من أجله.
صوت المنبه وفرحة الأطفال
ما إن يسمعوا صوت منبه الحافلة حتى يندفع الأطفال صائحين، وتتوقف «الكار» ليترجل الركاب، وينزل «الأمين» الأمتعة التي أوكل إليه أصحابها توزيعها على ذويهم، وتختلط التحية بشتى الأسئلة حول الصحة وظروف العمل والإقامة والأهل والغابة.
توزيع «الصرر» على أصحابها
يحلق الجميع حول «الأمين» ليسلمهم ما اؤتمن عليه، فإن لم يتمكن من توزيع كل «الصرر» في ذلك اليوم، تُحفظ البقية لدى الحاج خليفة بالطيب الذي يتولى تسليمها بنفسه إلى أصحابها في الأيام الموالية، ويكون على كل «صرة» اسم المرسل إليه. ولا يقضي «الأمين» أكثر من ليلة واحدة، سواء في المطوية أو في تونس العاصمة، فهو يغادر القرية اليوم ليعود إليها من الغد.
ألف دينار في القشابية
ومن أطرف ما ذكره لنا السيد عبد العزيز الحاج سالم عن أبيه أن هذا الأخير تجمّع لديه مبلغ مالي قدره ألف دينار، فالتجأ إلى خياطة قشابيته واضعًا المبلغ بين أجزائها لتجنب لفت نظر الطامعين.
المبروك حاج عبدالله وأمانة القطار
وعلى غرار مهمة «الأمين» بالحافلة، تولى المرحوم المبروك حاج عبدالله القيام بالمهمة نفسها على متن القطار. ونظرًا لبعد المسافة الفاصلة بين المطوية ومحطة القطارات بالعوينات، كان يستعمل الكريطة المدفوعة لنقل الأمتعة وتوزيعها على أصحابها.
احترام الحريم في السفر
لا تتوقف أمانة «المطاوة» على البضائع فحسب، بل تتجاوزها إلى الحريم في السفر، فإن كانت بين المسافرين نسوة يلقين الاحترام والتبجيل من قبل الجميع، وإذا تعذر على إحداهن معرفة عنوان ما، فلا يتردد أي مطوي في مساعدتها.
الخلاصة
تكشف حكاية «كار حشيشة» عن منظومة اجتماعية من الثقة والتكافل ربطت أبناء المطوية المهاجرين بأهاليهم، حيث تحولت الحافلة والقطار إلى شريان يحمل المال والأخبار والشوق، وتحول «الأمين» إلى ركيزة أمانة جماعية قامت على احترام الكلمة وحفظ الودائع دون كتابة أو توثيق سوى اسم صاحب «الصرة».