قصة بوسكينة
حصار وترهيب، خونة المطوية، وقصيدة فاطمة كما رواها الوجدان الشعبي بين 1885م و1888م
مقدمة
لم يجد المستعمر الفرنسي الاطمئنان لدى أهالي المطوية، وهو ما جعل باب الاستقرار موصدًا أمامه في القرية التي يعتبرها مقرًا غير آمن. وما دام الأهالي عازمين على التصدي والمواجهة ونبذ الاستسلام، فالقوات الفرنسية بدورها لم تتراجع عن محاصرة القرية من حين لآخر لاستفزاز متساكنيها وبث الرعب والرهبة في نفوسهم.
سياسة تعسفية لم تُفلح
جنحت القوات الاستعمارية إلى استعمال أساليب قمعية لم تؤتِ أُكلها كما كان يتصوره الفرنسيون، وهذه السياسة التعسفية لم تفلح في إخماد نار التحدي والعصيان لدى المطاوى. ولتنظيف القرية من المقاومين، التجأت إلى الاعتقالات غير المبررة التي لم تزد الأهالي إلا إصرارًا على تحدي قوة الحديد والنار.
حين يصعب التعرف على الخائن
المستعمر باعتباره دخيلًا على هذا الوطن يمكن التعرف عليه بسهولة فهو ظاهر للعيان ومكشوف، أما ابن بلدك الذي يخونك ويغدر بوطنه فيصعب التعرف عليه في الوقت المناسب، لكن إن كنت وطنيًا وتمكنت من العثور عليه فنهايته ستكون على يديك لا محالة. وبما أن كل حركة تحريرية لا تخلو في نضالها من خونة يخدمون مصالح أعدائها، فقد ظهر بالمطوية خائنان وقعت حادثتاهما بين 1885م و1888م.
من الجيش الفرنسي إلى مشيخة المطوية
كان الخائن الأول من أصل مطوي، انقطع في الجزائر وتربى بها وتطوّع في الجيش الفرنسي. ولما رجع إلى المطوية نصّبوه على رأس مشيختها، وكلفوه في طليعة عمله بإحصاء الشبان الصالحين للخدمة العسكرية لتجنيدهم في الجيش الفرنسي، ثم ذهب إلى تونس لإحصاء الشبان المطويين المقيمين بها.
الاقتصاص من الخائن
نظرًا للخطر المحدق بشباب القرية، عزم المجاهدون على الاقتصاص من هذا الخائن، فاستقر رأيهم على حتفه وإراحة المواطنين من شرّه أثناء اجتماع سايروه في كنف السرية. ونظرًا لتردده كثيرًا على قرية غنوش متنقلًا على دابة، اعترض سبيله محمد بن إبراهيم بن إبراهيم صحبة اثنين في المكان المعروف بوادي المالح.
كتمان رغم التعذيب
بعد أن تمكن الاثنان من إحكام شد وثاقه، استلّ محمد بن إبراهيم سكينة وذبح الخائن، ولذلك أُطلق عليه اسم «بوسكينة». ورغم أن القوات الاستعمارية تمكنت من القبض عليه لينال عامين سجنًا، فقد التزم طيلة هذه المدة بالتكتم، وسلك نهجه كثيرون بالمحافظة على سر هذه الفعلة رغم ما تعرضوا إليه من تعذيب وإهانة.
قريحة ابنته فاطمة
أبيات تحمل صدى الحادثة وحالة العائلة النفسية بعد سجن الأب
الربطة طالت وتقاسيت الربطة طالت
في حبس المظلم تنسيت الربطة طالت
ولاقتني عيشة صفراء وجهها مستلبس
قالتلي يا بابا ها الرومي على من يفركس
يفركس على سيدك وسيدك في الرجلة يحمس
يحمس في الرجلة ويفركس وين ماشي أجله
اللي يحضر أجله يحصله وكان يظلي عفريت
هاني ماشي انكد وفي الظهرة لقاني احمد
شافني تكمد وشيعته بالعين وامشيت
كيف فات ابعد وخنقتني العبرة وابكيت
ما بين الأعياد عطشان وصايم رمضان
جابلي شرنان وصوت بوشة كان عييت
طوق دوخانة ومن فقري كيف الكبريت
يا سود أنظاره وفي كبدي شعلت كباره
أمنين اوصلنا جاره عرضتني نصيب بناويت
غني بغرارة وعلى وجهي حتى فديت
محروق ومن ثمة وصلنا للسوق
شفت المخلوق ودنكست عيوني وامشيت
كيف المشنوق وفي الرقبة داروله خيط
داخ الكمباس ومن ثمة وصلنا الحباس
جابلي مقياس وفي يدي قالي يواتيك
وأقفاله نحاس ضرب دز جابني في البيت
حبس المظلم ومن المغرب بقه يتماشى
نادوا مريم ترجيه تفرش له فراشه
تفرش لي فراشي وما كانش خلوني ماشي
شيء ما طقتاشي لا فتيلة ولا ثمة زيت
بايت مهموم ولا رقدت ولا جاني نوم
ولا قدرت نقوم وطحت على جنبي اتكيت
في الثالث يوم جابو لي خبيزة بالزيت
زيتهم عجرم وما فيشي ما نطعم
غير من الهم خذيت انتيشه واتكيت
قدر واحكم وفي رأسي ماذا عديت
وجعوني الذرى اللي قعدوا همال هتايا
ففي نهار العيد وكاينهم قاعدين كبايا
لا لبسوا جديد في جرودهم قاعدين عرايا
يا كسر ذراعي يا صالح قلتش بابايا
نفتل مقلاعي وخلوني نمشي للماية
نمشي للماية ونهز الفيتوري معايا
تفرح داده تقول سعدي راجل وليت
يا سيدي العين حبيبك ما تعمل من دونه
وينهم الأحباب ووين الناس اللي يبغونا
أغدوا هراب الكل ما عادوش يجونا
في الحبس انفوك لاك شويه ولا افتفيتة
هازز مقرونه نهار الأعظم اندير لكم صيط
ما عادش انكد ومن ثمة ضربوا العرب
قالوا هزوا الكلب وجابولي سباييس امشيت
قدروا حكم وفي راسي ماذا عديت
مشيخة الجور والظلم العلني
تولى الخائن الثاني منصب مشيخة المطوية، ونظرًا لجوره وظلمه العلني، إذ كان بلاءً على قومه بقدر ما كان مخلصًا لسلطة الاحتلال، قرر الأهالي التخلص منه نهائيًا باغتياله، وتم ضبط خطة لتنفيذ العملية.
الملاحقة إلى رأس النخلة
حاصره مجموعة من الفدائيين وسط بطحاء البل، ولئن انفلت من قبضة أحدهم في الوهلة الأولى ليحتمي بطلع النخلة بعد أن فرّ صاعدًا إليها، فاقتفى فدائي أثره وصعد حتى أدركه وقتله بسكين «الحجامة»، فهوى يتخبط في دمائه. وكالعادة لم تظفر سلطة الاحتلال بالقاتل ولم تعثر له على أثر، بفضل ما اتسم به الأهالي من اتحاد وإخلاص.
خاتمة
تبقى قصة بوسكينة وقصة الخائن الثاني شهادتين على وجه من وجوه مقاومة أهل المطوية للاستعمار الفرنسي، حيث اجتمعت الشجاعة الفردية بالتكتم الجماعي لحماية الفاعلين من بطش سلطة الاحتلال، وبقيت القصيدة الشعبية التي نظمتها فاطمة ابنة بوسكينة شاهدًا وجدانيًا على ما عاشته الأسر من ألم خلف أسوار السجن.