فرج بن مسعود: اللؤلؤة السوداء وصانع الأبطال
في الخامس من فبراير 1916، أبصر فرج بن مسعود النور في مدينة مطوية، تلك المدينة الهادئة التي لم تحتضنه طويلاً. ففي سن الخامسة، تعرّض الطفل الصغير لعضّة كلب ضال غيّرت مجرى حياته، إذ أُرسِل للعلاج إلى معهد باستور في تونس العاصمة، فاستقر في حي باب الخضراء، ولم يعد إلى مسقط رأسه.
نشأ فرج في أحضان العاصمة وتشرّب روحها الرياضية، فلم تمض سنوات حتى وجد نفسه على حافة حوض السباحة، مفتوناً بالماء، عاشقاً للمنافسة. عام 1933، انضم إلى النجم الرياضي بحلق الوادي، ليبدأ مشواراً رياضياً استثنائياً امتدّ لأكثر من أربعة عقود متواصلة.
تخصّص في سباحة الصدر وأتقنها حتى صار علماً من أعلامها، وجمع إلى جانبها لعبة كرة الماء، فتألق في الميدانين معاً. وفي عام 1939، توّج مسيرته المبكرة بلقب بطل شمال أفريقيا في صنف 200 متر سباحة الصدر، ليضع تونس على خارطة السباحة الإقليمية بجدارة واقتدار، فضلاً عن ألقاب وطنية عديدة في الصنف ذاته، ناشئاً ثم كباراً.
لم تقف رحلته عند حدود النجم الرياضي؛ فعبر السنين انتقل بين عدة أندية وفيّاً لعشقه الرياضي. بين عامَي 1948 و1952 انضمّ إلى الشبيبة الرياضية بحلق الوادي، ثم التحق بين 1953 و1956 بـالجمعية الرياضية الفرنسية التي منحته ثلاثة ألقاب وطنية في كرة الماء. وفي السادس والعشرين من سبتمبر 1953 بالتحديد، سطّر لحظة خالدة حين تحدّى زميله زيزي طيب وحطّم رقمه القياسي في سباق 200 متر سباحة الصدر، في مشهد أضاف إلى مسيرته بريقاً لا يُنسى. ثم عاد بين 1957 و1961 إلى رحاب النجم الرياضي بحلق الوادي ليمنحه لقبه الرابع في كرة الماء، قبل أن ينتقل إلى الملعب التونسي بين 1962 و1964، وصولاً إلى النادي الإفريقي حيث ختم مسيرته التنافسية بين 1965 و1967.
غير أن ما ميّز فرج بن مسعود حقاً لم يكن فقط ما جمعه من ألقاب وأرقام، بل ما أعطاه للأجيال القادمة. فقد تفرّغ لصناعة الأبطال وتأطير شباب كرة الماء في مختلف الأندية، وكان من بين من تتلمذوا على يديه أسماء لامعة أضاءت سماء السباحة التونسية، من بينهم: علي الغربي ومريم الميزوني وسندة الغربي ودليلة بالريش وفاتن الغطاس، ممن حملوا راية تونس بكل فخر واعتزاز.
في الثامن عشر من نوفمبر 2008، أسدل فرج بن مسعود عينيه إلى الأبد عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والبطولة والتضحية. رحل الرجل، لكن أثره باقٍ في كل سبّاح حمل شعلته، وفي كل ميدالية رُفع باسمها علم تونس فوق حوض السباحة.


