«غزالي اللّي كنت مربّيه»
أغنية من التراث الشعبي في المطويّة
التراث الغنائي الشعبي بالمطويّة
تزخر واحة المطويّة بتراث غنائي شعبي غني، تناقلته الأجيال شفاهة عبر المناسبات الاجتماعية والأعراس والسهرات العائلية. ويعكس هذا التراث تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات الإنسانية، والعادات المحلية، بل ويحفظ جانباً من اللهجة المطوية القديمة بما تحمله من مفردات وتعابير أصبحت اليوم أقل تداولاً.
«غزالي اللّي كنت مربّيه»
من بين أشهر الأغاني الشعبية التي بقيت راسخة في الذاكرة الجماعية أغنية «غزالي اللّي كنت مربّيه»، وهي من الأغاني التي تمتزج فيها العاطفة بالفكاهة والوصف الاجتماعي، وتُؤدّى بإيقاع شعبي مميز، ينسجم مع طبيعة الغناء التقليدي في الجنوب التونسي.
الفراق والحسرة
يفتتح المغني الأغنية بتشبيه محبوبه بالغزال الذي ربّاه واعتنى به، قبل أن يفارقه إلى بيت أهله، فيعبّر عن الحسرة وخيبة الأمل بعد أن بذل في سبيله الجهد والمال، ليجد نفسه في النهاية وحيداً بعد الفراق.
المطبخ المحلي التقليدي
تنتقل كلمات الأغنية إلى وصف بعض مظاهر الحياة المنزلية والغذائية التقليدية في المطويّة، فتذكر أكلات شعبية معروفة مثل الشكشوكة والمرقة والخبز المعروك بالسميد، في صورة تعكس تفاصيل المطبخ المحلي وأسلوب العيش في تلك الفترة، كما تشير إلى الخبز الذي يُحمل إلى الفرن التقليدي، وهي عادة كانت منتشرة في أغلب البيوت قبل انتشار الأفران المنزلية.
حوار الشاب والفتاة والحرف التقليدية
في جزء آخر من الأغنية يدور حوار بين الشاب والفتاة، حيث تعبّر الفتاة عن عدم قدرتها على التأقلم مع حياة المطويّة، بينما يردّ عليها الشاب مدافعاً عن بلاده وعاداتها، في مشهد يعكس جانباً من الحوار الاجتماعي بين أبناء المناطق المختلفة، كما يورد إشارات إلى بعض الحرف التقليدية، مثل الغزل والنسيج، اللذين شكّلا جزءاً مهماً من النشاط المنزلي لدى النساء.
وثيقة شفوية لفهم الحياة اليومية
تتميّز الأغنية باستخدام لهجة مطوية أصيلة، تزخر بالألفاظ المحلية التي تمنحها قيمة لغوية إلى جانب قيمتها الفنية، كما تكشف عن ملامح المجتمع الواحي، وطبيعة العلاقات الأسرية، والعادات الغذائية، والحرف التقليدية، مما يجعلها وثيقة شفوية مهمة لفهم الحياة اليومية في المطويّة خلال العقود الماضية.
نص الأغنية
كنت مربّيه، غزالي اللّي كنت مربّيه
شيّعتا لدار امّاليه
لو كان دريتا يا خوتي هكّة يجرالي
لو كان دريتا يعملّي جفلة والعيطة
راني خلّيتا في بيتا وما نخسرش المال عليه
غزالي اللّي كنت مربّيه...
خبزة معروكة بسميد وعجين يديّا
خبزة بصاعين ندّيها للكوّاش في الحين
وينادي عليّ بصوتين
نخرجلا فيسع ونجيه
غزالي اللّي كنت مربّيه...
يتمّ هبالي بلادك ما صلحتشي بيّا
بلادك نعرفها وتشكرلي فيها واشنيّا
مشومة ما أحرفها خدمتها مرّة وقويّة
مرّة وقويّة ماليها يهزّوا الحلبيّة
مغزلهم طيّبلي ايديّا ومنسجهم ما قدرت عليه
غزالي اللّي كنت مربّيه...
أمّا أنا عايڤ تبغيلي طبّعة رڤيقة
نكوي طبّاعة تجيني على راس الڤبّاعة
فمّش ما عڤلي يتواعى
ويرجعلي عڤلي ونريه
غزالي اللّي كنت مربّيه...
خاتمة
لا تقتصر أهمية «غزالي اللّي كنت مربّيه» على كونها أغنية للتسلية، بل تُعدّ جزءاً من الذاكرة الثقافية للمطويّة، إذ تحفظ جانباً من تاريخ المجتمع المحلي، وتُجسد أسلوب التعبير الشعبي الذي جمع بين الشعر والغناء والحكمة وروح الدعابة.