عرش الرقايقة وعين الرقايقة
المطوية، قابس — من جذور سيدي بوعكازين إلى عين جفّت في الستينيات، ذاكرة حيّ وماء ضائع
الجذر الأول — سيدي بوعكازين الرقيق
على غرار عدة مناطق بولاية صفاقس، حظيت المطوية باستقبال أحد أحفاد سيدي محمد بوعكازين الرقيق، الذي تفرّعت عنه عائلات عديدة ارتبطت جذورها بهذا الجد الأكبر. استقر أحفاده في المطوية واندمجوا في نسيجها الاجتماعي حتى أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من هويتها.
لقب «الرقيقي» مصدره لقب «الرقيق»، الذي حُرِّف عبر السنين في المطوية — تطوّر صوتي طبيعي تعرفه كل اللغات الحيّة حين تتشرّب الأسماء في الاستعمال اليومي وتصير ملكاً للمكان لا للنسب وحده.
عائلات عرش الرقايقة في المطوية
تفرّعت عن عرش الرقايقة عائلات عديدة، لا تزال موزّعة على أحياء سكنية متفرقة في المطوية حتى اليوم — دليل على الانتشار الطبيعي لعرش حافظ على تماسكه الهوياتي رغم توزّع مساكنه.
عين الرقايقة — أو عين الكرمة
بحكم انتماء عائلات عرش الرقايقة ووجودها حول مصدر مياه جارية، أُطلق على هذه العين اسمان متداولان: عين الرقايقة وعين الكرمة. كانت هذه العين قلب الحياة اليومية للعائلات المحيطة بها، تتمحور حولها الزراعة والاجتماع والأخبار.
الخصوبة الزراعية
ساهمت في انتعاش المردود الزراعي بالبساتين المحيطة — ماء جارٍ لا يُوجد من فراغ بل يُوجد المحصول والخُضرة والاكتفاء.
الإذاعة المحلية
شكّلت العين «الإذاعة المحلية الأساسية» لتبادل الأخبار حول العائلات — لقاء يومي غير رسمي يصنع الرابطة الاجتماعية بالكلمة والماء معاً.
ملاذ النساء
كانت ملاذاً للصبايا والنساء يردن الماء منها شرباً واغتسالاً — فضاء نسائي حيّ يحمل ثقلاً اجتماعياً لا يُستهان به.
الجفاف والأزمة — منتصف الستينيات
الحفر العشوائي
مع انتشار التقنيات الحديثة لاستخراج المياه، تكاثرت الآبار السطحية العشوائية حول العين، فأضعف كل سحب التدفق الطبيعي.
شُحّ المياه
تراجع تدفق عين الرقايقة، واقتصر الأمر على حنفية ضعيفة التدفق لم تعد تفي بالحد الأدنى من الاستعمالات المنزلية، فضلاً عن عجزها عن ري البساتين.
الفقر وشُح البديل
غياب مصدر مياه بديل، وتواضع الإمكانيات المادية حال دون إدخال مياه "الصوناد" إلى المنازل، فكانت العين شريان حياة لا غنى عنه.
انتفاضة النساء بالمطوية
أمام هذا الوضع المائي المتردي، انطلقت مبادرة شجاعة من نساء قرية المطوية، القاطنات بالأحياء المجاورة لعين الرقايقة، فخرجن في تظاهرة احتجاجية حاشدة في الشارع الرئيسي، ووجدن مساندة وتضامناً واسعين من مختلف الأهالي.
تزعّمت التحرك: فطيمة منصورة بنت العروسي بن إبراهيمالأصداء العالمية والتزامن السياسي
تزامنت المظاهرة مع زيارة القيادي السياسي المنجي سليم لولاية قابس. وإثر ذلك، سارع الصادق بن عبد السلام بن سالم، أحد شهود العيان، بنقل الخبر وإبلاغ مكتب إذاعة "هنا لندن" العالمية بتونس بتفاصيل ضافية عن المظاهرة وأصدائها.
الاعتقال والتحقيق
أوقفت قوات الأمن عدداً من النساء المشاركات وأجرت معهن تحقيقاً؛ إلا أن التضامن الشعبي الواسع والضغط المحيط بالحادثة جعل أعوان الأمن يطلقون سراحهن بعد سويعات قليلة من إيقافهن وأخذ أقوالهن.
قراءة تحليلية — ما تقوله هذه القصة فعلاً
المياه والهوية — ليسا منفصلَين
تسمية العين باسم العرش ليست مصادفة، بل منطق العلاقة بين الإنسان والمكان في الحضارات الواحية. حين تحمل العين اسمك، فالمكان جزء من نسبك، والماء جزء من ذاكرتك.
التحديث بلا تخطيط — ثمن مرتفع
الحفر العشوائي دون دراسة هيدرولوجية يُفضي إلى إفقار الجميع. التحديث الذي لا يُحاسَب بيئياً يُدمّر ما بنته الطبيعة في آلاف السنوات خلال عقود.
انتفاضة النساء — درس في الوعي المدني
احتجاج نساء الحي كان وعياً مدنياً وسياسياً متقدماً قبل أوانه، إذ استطعن إيصال صوتهن إلى إذاعات عالمية، مما يثبت أن للمطوية تاريخاً نضالياً نسوياً مجيداً.
الذاكرة الشفهية — صمام أمان ضد الاندثار
هذا التوثيق الذي حفظه الكاتب البشير الرقيقي يُنقذ ما لا تُسجّله السجلات الرسمية. كتابة هذه الملحمة واجب ثقافي لحماية الذاكرة الجماعية من النسيان.
عين الرقايقة لم تكن ماءً فحسب — كانت مكاناً يلتقي فيه الناس، ويتداولون الأخبار، ويُدبّرون شؤون الحياة، ويثورون لأجل كرامتهم وحقوقهم اليومية.