المطوية أرض الجذور والأصول
رحلة في التاريخ والهوية — من الجذور الأمازيغية العريقة إلى الإرث العربي الأصيل، عبر وثائق تاريخية نادرة وشهادات رحالة قرون مضت
المطوية — واحة التاريخ والتنوع
المطوية (Métouia) مدينةٌ تونسية تقع في ولاية قابس جنوب تونس، غير أن ثقلها التاريخي يتجاوز حجمها الجغرافي بكثير. فمنذ فجر التاريخ المكتوب، حملت هذه البلدة اسمها على خرائط القادة والرحالة والمستكشفين — من الأميرال العثماني بيري رئيس في القرن السادس عشر، إلى مبعوثي البعثات العلمية الأوروبية في القرن التاسع عشر.
يتميز تاريخ المطوية بتنوع استثنائي في أصول ساكنيها: موجات بشرية متعاقبة قدِمت من المغرب والجزائر وليبيا والمشرق العربي، فوجدت في هذه الواحة ملاذًا وموطنًا. وقد توثّقت هذه الطبقات السكانية في وثائق محلية ونصوص رحالة أجانب، تاركةً صورة فريدة لمجتمع قبلي متعدد الجذور، موحّد بالأرض واللغة والقيم.
الموقع الاستراتيجي
تقع المطوية على الساحل الجنوبي التونسي قرب خليج قابس، في موقع يجمع بين السهل الساحلي والامتدادات الداخلية نحو الجنوب. قربها من وادي الملح (أو وادي الطين) جعل منها نقطة عبور طبيعية عبر القرون.
المجتمع القبلي
يُقسَم المجتمع المطوي تقليديًا إلى قطبين: "المايا" ذات الجذور الأمازيغية، و"البلاد" ذات الغلبة العربية. غير أن التمييز بينهما تاريخي أكثر منه ثقافي، إذ تمازجت الأسر والتقاليد عبر الأجيال.
حضور في المصادر الكلاسيكية
أوردها ابن خلدون في كتاباته ضمن قبائل المنطقة، ووردت في "الروض المعطار" لمؤلفه المقري، ورسمها الأميرال بيري رئيس في خرائطه البحرية عام 1521م — ما يؤكد أهميتها عبر حقب متعاقبة.
اعتراف رسمي بالشرفاء
تحتفظ المطوية بوثيقة مؤرخة عام 1837م صادرة عن الباي أحمد باشا، تمنح أشراف المطوية امتيازات استثنائية معفيةً إياهم من الضرائب والخدمات الإجبارية، وهو اعترافٌ رسمي نادر بمكانتهم الدينية والاجتماعية.
لماذا تُسمّى المطوية؟
"تحمل المطوية اسمها منذ أن فصل ذو القرنين البحر الداخلي عن المتوسط بسحره، فأُطلق عليها اسم مطوية من كلمة «متّوا» أي أَغلق أو فصل..."
— أسطورة نفطة المتناقلة، مصدر: أرشيف البعثات العلمية الفرنسية، 1877ميحتفي الباحثون بثلاثة تفسيرات رئيسية لأصل تسمية "المطوية"، تتراوح بين اللغوي التاريخي والأسطوري الشعبي:
يرى المؤرخ فرح رمضان أن سكان منطقة "مايا" (ⵎⴰⵢⴰ) — وهي الجزء الأمازيغي من المطوية — ينتسبون إلى مجموعة "اللمايا" البربرية. واسم المايا نفسه يشير في بعض اللغات الأمازيغية إلى وصف طبيعي جغرافي أو قبلي.
يُشتق بعض الباحثين اسم "مطوية" من الجذر العربي "مطا-يمطو" بمعنى الامتداد والطول، في إشارة إلى امتداد الواحة وخضرتها على طول الساحل. وهذا التفسير يتوافق مع ما ذكره الرحالة الأوروبيون من أن المطوية تمتلك ضعف عدد النخيل مقارنة بجاراتها.
وثّق الضابط الفرنسي في أرشيف البعثات العلمية الفرنسية (1877م) روايةً شفوية يتناقلها أهل نفطة في تلمين بالنفزاوة: أن الإسكندر ذا القرنين جاء من المشرق حتى بلغ المطوية، وهناك "بسحره وحكمته" أغلق البحر الداخلي وفصله عن المتوسط، محوّلًا الشط الكبير إلى سبخة. ومن يومها سُمّيت هذه البلدة "مطوية" من "مَتَوَّا" أي أغلق وفصل. والأسطورة ذاتها تذكر أن نفطة كانت ميناءً بحريًا قبل هذا الإغلاق.
تحليل: ما الذي تكشفه هذه الأسطورة؟
أسطورة ذي القرنين ليست مجرد حكاية خرافية؛ بل هي أثرٌ ذاكراتي يحفظ في طياته حقيقةً جيولوجية: كان خليج قابس يمتد قديمًا نحو الداخل عبر شط الجريد، وقد أكد العلماء الفرنسيون (الرائد رودير وتيسو) أن الشط كان بالفعل بحيرة مفتوحة. الأسطورة إذن تُجسّد في قالب ملحمي ذاكرةً جماعية لتحولٍ جيوغرافي حدث قبل آلاف السنين، وتُثبت أن المطوية كانت في وجدان الإنسان القديم "بوابة الفصل" بين البحر والصحراء.
المطوية في عيون الرحالة
تركت المطوية أثرًا واضحًا في كتابات الرحالة والمستكشفين الأوروبيين الذين زاروا تونس خلال القرن التاسع عشر. تبرز من خلال نصوصهم ملامح مدينة حية متنوعة، لها خصوصية معمارية وبشرية.
وصف الرحالة المطوية بأنها "قرية جميلة" تتألف من نحو ستمائة منزل مشيّد بالطين ومطلي بالجير الأبيض، تتخللها واحة صغيرة وعدد من الآبار وجامع بمئذنة ترتفع فوق المكان. السهل المحيط بها عارٍ ويابس، غير أن الحياة داخل القرية تنبض بحيوية الأطفال اللاعبين في الأزقة، ولاحظ الكاتب أن وجوه بعضهم تحمل ملامح "يونانية أو رومانية"، خالصةً في نظره من الدم العربي الصرف — وهو ملاحظة تتسق مع الأصول الأمازيغية القديمة لجزء من السكان.
رصد الكاتب في عام 1900م مقارنةً بين الواحات المجاورة: بوذرف بألف ساكن وخمسة عشر ألف نخلة، والمطوية بعدد سكان مشابه لكن بأكثر من ضعف النخيل، وغنوش الأكثر سكانًا والأقل نخلًا، وبوشما التي كانت حدائقها في تعافٍ. هذه الصورة تجعل من المطوية أكثر واحات المنطقة ازدهارًا زراعيًا نسبة إلى عدد سكانها.
ضمّنَ الأميرال بيري رئيس — أحد أعظم رسامي الخرائط في التاريخ الإسلامي — المطوية في خريطته التفصيلية للساحل التونسي ضمن سلسلة من المدن والموانئ: جزر القوريات، المهدية، صفاقس، المحرس، المطوية، وادي الطين، قابس، جربة... إدراج المطوية في هذه السلسلة يدل على أهميتها الملاحية والتجارية في القرن السادس عشر.
نسيج قبلي متعدد الخيوط
وفق أبحاث المؤرخ فرح رمضان، يتوزع سكان المطوية على مجموعتين قبليتين كبيرتين تختلفان في الأصل والتاريخ، لكنهما تتقاطعان في الهوية والمصير:
- 🟢 عياد من أعرق القبائل الأمازيغية وأقدمها توطنًا في المنطقة. يُعدّون السكان الأصليين لقسم المايا.
- 🟡 المهذبة ينتسبون إلى سيدي طاهر المنحدر من سيدي مهذب، ذرية النبي ﷺ عبر السيدة فاطمة. قدِم أجدادهم من ساقية الحمراء بالمغرب، واستقروا قرب المهراس-السخيرة قبل وصولهم.
- 🟡 دار ساسي سلالة سيدي أحمد الفقير، من الأشراف أيضًا، بنسب شريف متصل.
- 🟢 حنانشة قبيلة أمازيغية ذات صلات بسكان مطماطة وجربة (إلمي).
- 🟢 الزكري ذكرهم ابن خلدون صراحةً بوصفهم قبيلة أمازيغية، مرتبطة بسكان مطماطة وجربة.
- 🟢 يحيى قبيلة أمازيغية أصيلة في المايا، مرتبطة بالجذور السكانية القديمة للمنطقة.
- 🟠 الأحمدين أقدم قبائل البلاد وأولها وصولًا. عربية الأصل، قدِمت من المشرق مع فجر الفتوحات الإسلامية.
- 🟡 الأشراف ذرية أحمد زلّج المكي، من نسل النبي ﷺ. قدِموا من ساقية الحمراء (المغرب) منذ نحو 800 عام. حظوا باعتراف الحفصيين بشرفهم، وأعفاهم الباي أحمد بن علي عام 1837م من الخدمات العسكرية والضرائب. الشريف حمو المشهور ابن عمهم.
- 🟠 المراشدة ثالث القبائل وصولًا. يُروى أن جدّهم كان يهوديًا أسلم — وهذا يجعلهم نموذجًا فريدًا للتحولات الدينية والاندماج الاجتماعي في تاريخ المنطقة.
- 🟡 الرقايقة أصلهم من نقته جنوب صفاقس. جدّهم سيدي بوعكازين (محمد الركيك، ق14م) إدريسي النسب، وليٌّ مبجَّل اشتُهر بحسن صوته ونعومة طبعه — ومنه جاء اسم "ركيك". يعود لسلالة إدريسية إلى النبي ﷺ.
- 🟣 البرهناس يُرجَّح أن أصلهم من بنو حراس، باسم أمازيغي، وأن جذورهم الجغرافية من سوق أهراس في الجزائر.
- 🟠 دار سعد قبيلة عربية الأصل، من قبائل البلاد المتجذّرة في المطوية.
- 🟠 التواجير قدِموا من مدينة تاجوراء الليبية في إقليم طرابلس الغرب. مثال على الامتداد الليبي-التونسي.
- 🟠 بوسعدة أحدث القبائل وصولًا. عربية الأصل من جبنيانة (شمال صفاقس)، وصلت المطوية في مرحلة متأخرة.
تحليل: المطوية كنموذج للتعددية القبلية التونسية
يُجسّد التنوع القبلي في المطوية ما عرفه الجنوب التونسي عمومًا من انفتاح على المهاجرين والوافدين عبر القرون. المدهش أن هذا التنوع لم يُفضِ إلى صراع هوياتي، بل أفرز مجتمعًا متماسكًا تجمعه "قيم التضامن والكرامة والشهامة" — على ما تُصرّح به جميع المصادر. وهذا يُرسّخ فكرة أن الهوية المطوية هي هوية "موقع وقيم" لا هوية "دم وعرق"، وهو نموذج ملهم يستحق الدراسة.
| القبيلة | المجموعة | الأصل | مرتبة الوصول | ملاحظة بارزة |
|---|---|---|---|---|
| عياد | المايا | أمازيغي محلي | الأقدم | سكان أصليون |
| الأشراف | البلاد | شرفاء مغاربة | الثانية | امتيازات حفصية وحسينية |
| الرقايقة | البلاد | إدريسيون من نقته | الثالثة | وليّ مشهور: سيدي بوعكازين |
| الزكري | المايا | أمازيغي (ابن خلدون) | قديمة | صلة بمطماطة وجربة |
| التواجير | البلاد | ليبيون من تاجوراء | متأخرة | امتداد ليبي-تونسي |
| بوسعدة | البلاد | عرب من جبنيانة | الأحدث | آخر القبائل وصولًا |
صكوك الذاكرة المطوية
"الحمد لله وصلى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه... إلى من يقف على أمرنا هذا من أولادنا الولاّت والأغاوات والقوّاد... إنّا جدّدنا أمرنا هذا للسيّد إبراهيم بن أحمد الشريف المطوي ومحمّد بن علي الشريف المطوي وإخوتهما... ولا يطالبون بما يطالب به غيرهم من الوضائف المخزنية والقوانين العرفية من الضيافات والسّخرة والطوارئ والمجابي وسائر المطالب التي تجرى على الرّعية احترامًا لهم بحرمة أجدادهم العائدين لجدّهم سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم..."
دلالة الوثيقة الحسينية في السياق التاريخي الأشمل
إعفاء الأشراف من "الضيافات والسخرة والطوارئ والمجابي" ليس مجرد امتياز فردي، بل هو انعكاس لنظام اجتماعي متكامل قائم على التراتبية الدينية. الأشراف في الجنوب التونسي كانوا يمثلون رابطًا بين السلطة المركزية والمجتمعات القبلية المحلية — فهم يُضفون شرعية دينية على البيت الحسيني، في مقابل امتيازات مادية. وهذا التوازن الدقيق ظلّ ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي في تونس العثمانية لقرون.
المطوية — درس في الهوية المركّبة
ما الذي يُمكن استخلاصه من جملة هذه الوثائق والروايات والمعطيات التاريخية عن المطوية؟ يمكن تلخيص الصورة في ثلاث مقولات تحليلية كبرى:
هوية بلا تناقض
الجمع بين الجذر الأمازيغي (المايا) والإرث العربي الإسلامي (البلاد) لم يُفضِ إلى ازدواجية مؤلمة، بل أثمر هويةً ثرية متعددة الطبقات. يعيش المطوي بكلتا هويتيه دون أن يُضطر للاختيار بينهما — وهذا نموذج متكرر في جنوب تونس حيث الهويات الأمازيغية والعربية والأندلسية والأفريقية تتضافر لا تتصادم.
المحافظة على الذاكرة
توافر وثائق من القرن التاسع عشر (1837م)، وخرائط من القرن السادس عشر (1521م)، ونصوص رحلات من نهاية القرن التاسع عشر (1892-1900م)، إلى جانب الذاكرة الشفوية للأسطورة — كل هذا يجعل المطوية مدينةً نادرًا ما تزال ذاكرتها التاريخية حيّة بهذا الثراء على الرغم من صغر حجمها.
نموذج مجتمعي استثنائي
تتكرر في جميع المصادر — القديمة والحديثة — الإشارة إلى تماسك المطاوة وتضامنهم، أينما حلّوا في تونس أو خارجها. هذا التضامن ليس ظاهرة عابرة، بل هو نتاج عقود من التشابك القبلي والزيجات المختلطة والمصالح المشتركة التي حوّلت التنوع إلى قوة لا ضعف.
بوابة بين البحر والصحراء
موقع المطوية بين السهل الساحلي والبوابة نحو الجنوب الصحراوي جعل منها نقطة عبور طبيعية للبضائع والأفكار والبشر على مدار قرون. هذه الوساطة الجغرافية أسهمت في تشكيل طابعها المنفتح وقدرتها على احتضان الوافدين وإدماجهم.
أن تكون مطويًا يعني أكثر من الانتساب إلى قرية؛ يعني حمل طريقة في الوجود — فيها فخر هادئ، وتعاون صادق، وحب عميق للأرض والإنسان.
— مُستخلَص من روح المصادر المطوية الجامعةملاحظة ختامية: أهمية توثيق هذا الإرث
إن المشروع التوثيقي الذي تقوم به مدونة المطوية وموقع ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو حفاظ على ذاكرة جماعية مهددة بالنسيان في عصر الحداثة السريعة. صون هذا الإرث — من الأسطورة إلى الوثيقة، ومن القبيلة إلى العلَم الوطني — هو استثمار في هوية الأجيال القادمة التي لن تجد جذورها إلا في هذه الصفحات.
