المطوية تاريخ عريق وذاكرة حية
من العصر الحجري إلى الرومان، ومن الصُّفوف القبلية إلى الكفاح الوطني — رحلة في أعماق تاريخ واحة قابس وأبنائها المطاوة
حضور إنساني موغل في القدم
الوجود البشري في المطوية قديم جداً. ففي عام 1875م اكتشف الباحث الأثري ج. بيلوتشي (G. Bellucci) مواد ما قبل التاريخ من صوانيات ورؤوس سهام وسكاكين تعود إلى العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، مما يُثبت أن هذه الواحة كانت ملجأً للإنسان منذ آلاف السنين قبل الميلاد.
المواد النيوليتية
الرومانية
للمطوية
المطوية في العصر الحجري
اكتشاف رؤوس السهام والصوانيات من العصر النيوليتي يضع المطوية في قائمة المواقع الأثرية ذات الحضور الإنساني المبكر في جنوب تونس. الوفرة المائية وخصوبة التربة كانا على الأرجح السببَين الرئيسيين اللذين جذبا الإنسان الأول إلى هذه الواحة.
المطوية Ad Palmam — واحة الرومان
وفق أبحاث المؤرخ المرحوم بشير رقيقي، ازدهرت المطوية في عهد الرومان وعُرفت باسم "أد بالمام" (Ad Palmam)، وتزخر بدلائل واضحة على وجود نشاط بشري متطور يعود إلى الحقبة الرومانية، بل ربما إلى مستوطنة رومانية حقيقية.
الشواهد الأثرية
تُشير الروايات الشفوية المتوارثة جيلاً بعد جيل إلى وجود أطلال وآثار بالقرب من الواحة: فسيفساء وأعمدة وأحواض ومعاصر زيتون، فضلاً عن أسس قديمة مطمورة تحت الرمال أو مخفية بالغطاء النباتي.
تأكيد علمي
في عام 1987م أسفرت الحفريات عن اكتشاف فسيفساء وقطع أثرية أخرى، مما أكد أن المطوية كانت منطقة مزدهرة وديناميكية في العصر القديم. وفرة المياه والثروة الزراعية (النخيل والحبوب والكروم والزيتون) جعلت منها مركزاً زراعياً حيوياً.
نقطة إمداد استراتيجية
يؤكد المؤرخون أن المنطقة كانت نقطة عبور وإمداد مهمة، مما يُفسر كثافة الآثار المادية المكتشفة. موقعها على الطريق بين قابس وواحات الداخل جعلها رابطاً حيوياً في شبكة الطرق الرومانية.
واحة منتجة بامتياز
تكامل الزراعة في المطوية الرومانية كان نموذجياً: النخيل للتمر والظل، والزيتون للزيت والتصدير، والكروم للخمر، والحبوب للإعاشة — مما جعلها تتكامل مثالياً في المنظومة الاقتصادية الرومانية.
لماذا تُسمّى المطوية؟
أصل تسمية المطوية غير مؤكد تاريخياً، وتتنافس حوله أربع روايات رئيسية تتراوح بين اللغوي والأسطوري:
تذكر إحدى الروايات أن جملاً يُسمّى "مطية" لقي حتفه عند النبع الرئيسي القديم للواحة، فأُطلق اسمه بالتحريف على القرية. وهي رواية شعبية تعكس الارتباط الوثيق بين الإنسان والحيوان في الذاكرة الجمعية للجنوب التونسي.
تروي الأسطورة الأشهر أن الإسكندر ذا القرنين جاء من المشرق حتى بلغ المطوية، حيث "فصل بحرًا داخلياً عن المتوسط" محوّلاً إياه إلى شط الجريد. ومن يومها سُمّيت البلدة "مطوية" بمعنى "المطوي" أو "المُطبَق" بالعربية. ويُشار إلى أن هذا البحر الداخلي يُعرف بالاسم اليوناني "بحيرة تريتون"، حيث وُلدت الإلهة أثينا وفق الأسطورة الإغريقية.
تقترح رواية ثالثة أصلاً أمازيغياً للاسم، بمعنى "حيث تجري العين" أو "مكان الينبوع"، في إشارة إلى الوفرة المائية التي ميّزت هذه الواحة قديماً وجعلتها مقصداً للقبائل المجاورة.
يُرجع بعض الباحثين الاسم إلى الجذر العربي "مطا-يمطو" بمعنى الامتداد والطول، في إشارة إلى امتداد الواحة وخضرتها. وهذا التفسير يتوافق مع وصف الرحالة الأوروبيين الذين أشاروا إلى أن المطوية تمتلك ضعف عدد النخيل مقارنة بقرى مجاورة أكبر منها.
الأسطورة والجيولوجيا يتلاقيان
ما يلفت النظر في أسطورة ذي القرنين أنها تحفظ ذاكرة جيولوجية حقيقية: أثبت العلماء الفرنسيون (الرائد رودير وتيسو) أن شط الجريد كان فعلاً بحيرة مفتوحة على البحر المتوسط في عصور سحيقة. الأسطورة إذن ليست خرافة محضة، بل هي تجسيد ملحمي لحدث جيولوجي حقيقي، محفوظ في الذاكرة الجمعية لسكان المنطقة عبر آلاف السنين.
المطوية في عيون الزوار
وثّق عدد من الرحالة والمستكشفين الأوروبيين الذين زاروا تونس خلال القرن التاسع عشر ملاحظاتهم عن المطوية، تاركين صورة حية عن قرية مزدهرة بسكانها وواحتها وتنوعها البشري.
وصف غيران المطوية عام 1862م بخمسمائة ساكن، وأشار إلى جنائنها الخصبة المقسّمة بجدران صغيرة من الطين والمروية بقنوات لا تُحصى، والشجرة السائدة فيها النخيل. وقال إن هذا المجموع من الجنائن وغابة النخيل تُشكّل واحة أكثر أهمية من جارتها وذرف.
"أول قرية نصادفها تُسمّى مطوية: نساؤها يتمتعن بسمعة واسعة في الجمال. لم نفعل سوى المرور ولم نستطع إصدار حكم، لكن الأنواع الثلاثة أو الأربعة التي رأيناها كانت جميلة حقاً، وأترك لغيري مهمة الطعن في هذا القول أو تأكيده."
"وصلنا إلى عتبة قابس والقرية الجميلة مطوية. تتألف من نحو ستمائة منزل من الطوب الترابي ومطلية بالجير الأبيض، وفيها واحة صغيرة وبضعة آبار ومئذنة. السهل المحيط بها نادر التضاريس وجاف وعارٍ. بين الأطفال الذين يلعبون بمرح في الأزقة، لفتت انتباهي ملامح بعضهم بانتظامها وذكاء نظراتهم وأناقة حركاتهم. هذه الرؤوس ذات ملامح يونانية أو رومانية؛ ليست من دم عربي."
"إنهم يزرعون جنائن خصبة جداً، مروية بقنوات لا تُحصى، والشجرة السائدة النخيل. هذه الواحة أكثر أهمية من سابقتها."
— فيكتور غيران، رحلة أثرية في الرياسة التونسية، 1862مالصُّفوف — أحلاف القبائل
في جنوب تونس، لم تكن القبائل معزولة بل كانت تتجمع في أحلاف تُسمّى "الصُّفوف" (les çoffs). وكانت لهذه الأحلاف وظيفة اجتماعية وسياسية راسخة، إذ امتدت روابطها إلى شمال تونس والجزائر الشرقية وطرابلس الغرب. يُرجَّح أن أصلها يعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي.
انتمت المطوية تاريخياً إلى صف يوسف، الذي ضم عدداً من قبائل الجنوب التونسي وكان يقف في مواجهة صف شداد.
- 🟢 المطوية
- 🟢 المنزل
- 🟢 شنيني قابس
ضم صف شداد قبائل أخرى في المنطقة، وكانت العلاقة بين الصفين مصدر التنافس التاريخي الذي طبع ذاكرة المنطقة.
- 🔴 وذرف
- 🔴 الحامة
- 🔴 قابس
الحماية في مقابل تمر الواحة
بعض القبائل كالهمامة كانت تضطلع بدور الحماية العسكرية لصف يوسف في حالات النزاع، وذلك في مقابل التمر ومنتجات الواحة. هذا النظام القائم على التبادل يعكس اقتصاداً قبلياً متوازناً يجمع بين الزراعة والتجارة والدفاع المشترك.
إبّان ثورة علي باشا على الباي حسين (1729م) والاضطرابات التي استمرت حتى 1756م، انقسم التونسيون بين صفين متخاصمين: الباشية أنصار علي باشا، والحسينية أنصار حسين. في الجنوب، انحاز صف شداد إلى الباشية فيما التحق صف يوسف — ومعه المطوية — بالحسينية. هذا الانتماء السياسي رسّخ الهوية الجمعية للمطوية ضمن منظومة إقليمية أوسع.
المطاوة — صُنّاع التاريخ
لم يكن المطاوة مجرد سكان واحة — كانوا فاعلين في رسم مصير تونس. من ثورة 1864م ضد الاستبداد الضريبي، إلى الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، إلى التأسيس الأول للخلايا النقابية والحزبية — تُسجّل ذاكرة المطوية حضوراً وطنياً استثنائياً لمدينة صغيرة الحجم.
شارك المطاوة بفاعلية في ثورة علي بن غذاهم ضد الضريبة الظالمة "المجبى"، التي ضاعفها الباي بشكل يُثقل كاهل الفلاحين والقبائل. هذه المشاركة تعكس الوعي المبكر للمطاوة بحقوقهم وإحساسهم العميق بالعدالة الاجتماعية.
ناضل المطاوة ضد الاستعمار الفرنسي الذي صادر أراضيهم التاريخية في لعوينات العكاريت. هذه المصادرة أجبرت كثيرين على الاغتراب، لكنها لم تُفقدهم هويتهم أو تضامنهم.
منذ الثلاثينيات والأربعينيات، انخرط كثير من المطاوة العمال (حمّالون وعمال موانئ ونقل) في تونس في الحركة النقابية الناشئة. جرأتهم وشعورهم بالعدالة وانضباطهم جعل منهم مناضلين محترمين في صفوف الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات العمالية الأولى.
في حي ترنجة الشعبي بتونس، حيث توطّن المطاوة منذ القرن التاسع عشر، أسّسوا واحدة من أوائل الخلايا الدستورية — بؤرة حقيقية للنشاط السياسي والتعبئة من أجل الاستقلال الوطني. كما كانت المطوية نفسها مهد الخلية الدستورية الأولى في منطقة الاعراض-قابس، مما ساهم في نشر الأفكار الوطنية وهيكلة الحركة في جنوب تونس كله.
بصمة وطنية لا تُمحى
بفضل وحدتهم وانضباطهم ووفائهم للقضية الوطنية، ترك المطاوة أثراً راسخاً في الذاكرة السياسية والنقابية لتونس المعاصرة. قرية صغيرة على الساحل الجنوبي غدت رمزاً للنضال والتضامن — وهذا في حد ذاته درس تاريخي يستحق التأمل.
المطاوة في أرجاء العالم
اضطر كثير من المطاوة إلى الهجرة والاغتراب في مختلف أنحاء تونس والعالم، لكن أينما حلّوا حملوا معهم هويتهم وقيمهم وتضامنهم المميز.
مدن الهجرة التونسية
توزّع المطاوة على عدة مدن تونسية: تونس العاصمة، الجريد، سوق الأربعاء، دهماني — حاملين معهم شبكة تضامن قوية حمتهم وأبقت هويتهم حية في الغربة.
الجزائر وليبيا
عبر الحدود المغاربية، توجّه بعض المطاوة إلى الجزائر وليبيا للتجارة والعمل، مواصلين تقليد القبائل الجنوبية في الحركة والانفتاح على الفضاء المغاربي الواسع.
فرنسا وليون تحديداً
في موجة الهجرة إلى أوروبا، استقر كثير من المطاوة في فرنسا وبالخصوص في مدينة ليون، حيث حافظوا على روابطهم وأسّسوا جاليات متماسكة تشهد على عمق هذا التضامن.
حي المطاوة الأول منذ 1800م
في حي ترنجة الشعبي بالعاصمة تونس، أقام المطاوة منذ بدايات القرن التاسع عشر وشكّلوا مجتمعاً متماسكاً كان رائداً في النضال الوطني والعمل النقابي.
أينما حلّ المطاوة، حملوا معهم شيئاً لا يُباع ولا يُستعار: شعور عميق بالانتماء، وتضامن بلا حدود، وكرامة لا تُساوم.
— مُستخلَص من شهادات أبناء الجالية المطويةالاغتراب القسري لم يمحُ الهوية
مصادرة الأراضي التاريخية في العوينات العكاريت كانت صدمة كبرى، لكنها أثبتت في نهاية المطاف أن هوية المطاوة ليست مجرد أرض — بل هي منظومة قيم ومشاعر وذاكرة جماعية قادرة على البقاء والازدهار في أي بقعة من العالم.
