وذرف — واحة عريقة في أحضان الجنوب التونسي، قرب خليج قابس، تمتد جذورها إلى العصر البونيقي. لكنّ ما يُعرِّفها للعالم أكثر من أي شيء آخر هو حرفة واحدة توارثتها النساء جيلاً بعد جيل: المرقوم — النسيج الصوفي المرصّع بالرموز الأمازيغية والألوان الحمراء والزرقاء الزاهية.
المرقوم · هوية وذرف
تمتاز مدينة وذرف بتنوع إرثها الثقافي والحضاري الممتد إلى العصر البونيقي، غير أنها تشتهر في المقام الأول بصناعة المرقوم، ذلك النسيج الصوفي الفريد الذي يجمع بين جمال الأشكال الهندسية وعمق الرموز المستوحاة من الثقافة الأمازيغية. يتميز مرقوم وذرف برسوم تغلب عليها الألوان الحمراء والزرقاء في تناغم بصري يُبهر الناظر ويروي تاريخاً ممتداً عبر الأجيال.
ولا تقتصر قيمة المرقوم على الجمال البصري، بل تتجاوزه لتكون وثيقة حضارية تُجسّد هوية المجتمع وذاكرته الجماعية. كل نقش وكل خيط يروي قصة، وكل لون يحمل رمزاً، مما يجعل من كل قطعة مرقوم تحفةً فنية بالغة الدلالة.
«يوفى مال الجدّين وتبقى صنعة اليدين» — مثل شعبي تونسي قديم يعكس مكانة الحرف التقليدية في الوجدان الشعبي، وتمسّك الأجيال بها حفاظاً على الهوية من النسيان.
حِرفة تنسجها المرأة
تقف المرأة في وذرف في قلب هذه الصناعة العريقة، إذ توارثت النساء سر المنسج جيلاً بعد جيل. تجلس الناسجة أمام نولها الخشبي ساعاتٍ طوالاً، تمرّر خيوط الصوف الملوّن بين خيوط السداية، ثم تدقّها بالخلالة لتتلاحم وتصير نسيجاً متماسكاً ذا رسوم هندسية بديعة. تسبق عملية النسج مراحل دقيقة تبدأ بجزّ الصوف وغسله ودهنه، ثم تنظيفه وغزله، فتكبيب الخيوط وصباغتها بألوان وذرف الزاهية.
تُدرّس الأمهات بناتهن هذه الحرفة في سن مبكرة، فتنتقل معها ليس فقط مهارة النسج بل ذاكرة الرموز ومفاتيح قراءتها. ولهذا السبب يُعدّ المرقوم أكثر من مجرد صناعة تقليدية؛ إنه لغة بصرية صامتة تتحدث عن حياة البشر وتطلعاتهم وموروثهم.
الواحة والعمران
تقع وذرف في قلب واحة خضراء يمتد فيها النخيل في كل اتجاه، مما يمنح المكان روحاً خاصة تجمع بين قسوة الصحراء وخصوبة الأرض. شُيّدت مبانيها التقليدية من الطين والحجر المحلي في انسجام تام مع البيئة المحيطة، تعلوها أسطح مكشوفة تُجفَّف عليها المواد الزراعية وتُنشر الأفرشة المنسوجة في الهواء الدافئ.
عرفت المدينة تاريخاً حافلاً يمتد من العصور القرطاجية والرومانية مروراً بالفتح الإسلامي وصولاً إلى الحقبة الحديثة. وقد احتفظت الجهة حتى اليوم بكثير من ملامحها التراثية وطراز عمرانها الأصيل، شاهداً حياً على الحضارة التي صنعها الإنسان التونسي وسط البيئة الصحراوية.


