بنوّر بن علي بن محمد بنوّر
الإنسان والنقابيّ والمناضل
وُلد المرحوم بنوّر بن علي بن محمد بنوّر في الخامس من أوت 1905 بالمطوية في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية، وتوفي بتونس العاصمة إثر نوبة قلبية في الرابع والعشرين من ماي 1981 وهو بصدد أداء صلاة الصبح. انتقلت أمه زهرة بنوّر إلى جوار ربها سنة 1908، وهي تنتمي إلى عائلة بنوّر المنحدرة من عرش الشرفاء بقرية المطوية، نسبةً لجدهم محمد الشريف الذي يرجع نسبه إلى خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
◈ نشأته وتكوينه
اشتغل في الفلاحة مع والده بضيعته بالمطوية، وكان أخاً لذكرَين وأربع إناث هم: زينة، ومحمد، والأخضر، وعزيزة، وهنية، وحليمة. زاول تعليمه القرآني بالمدرسة القرآنية بالمطوية، قبل أن ينتقل سنة 1918 إلى تونس العاصمة حيث درس بجامع الزيتونة المعمور وتحصّل على شهادة التحصيل. واصل بعد ذلك تلقّي الدروس على يد بعض المشايخ بمقابل مادي، وكان يتلقّاها صحبة ثلة من الشبان بمستودع في حي ترنجة بتونس.
◈ محطات في مسيرة العطاء
◈ العمل النقابي
انخرط في العمل النقابي منذ سنواته الأولى، متأثراً بالغ التأثر بالثورة البولشيفية في روسيا سنة 1917. خاض تجربة نقابة 1924 رفيقاً للمناضل محمد علي الحامي وصديقاً حميماً للمناضل محمد الغنوشي، العقل المدبّر لإضراب عمال ميناء تونس الذي شلّ تزويد فرنسا بمنتوجات الحبوب التونسية. ركّز جهوده على مصالح عمال المطاحن وقطاع الحبوب بحكم اشتغاله سنوات طويلة في إحدى أكبر مصانع الحبوب بالعاصمة.
في سنة 1937، كان من بين الرؤوس المدبّرة لإحياء جامعة عموم العملة التونسيين، وانتُخب عضواً منذ اجتماعها الأول في السادس عشر من مارس بمقر نقابة الكرارطية بباب سويقة، وأسهم في وضع قانونها الأساسي وإعداد مؤتمرها التأسيسي. وساهم في إنجاح إضراب عمال سوق الحبوب وعمال الكريطة في جوان 1937 الذي امتد أسبوعين وألحق أضراراً جسيمة بمصالح المعمّرين وتجار الحبوب.
◈ النشاط الحزبي والسياسي
كان عضواً في شعبة ترنجة منذ أواخر العشرينات، وانتُخب ممثلاً لها في مؤتمر قصر هلال التأسيسي للحزب الحر الدستوري في الثاني من مارس 1934، ضمن وفد ضمّ بلحسين محمد جراد رئيساً، ومحمد صالح جراد، والقناوي. وفي المؤتمر، انتُخب عضواً في المجلس الملّي للحزب وتجدّدت نيابته مرات عدة.
تعدّدت إسهاماته الحزبية: تمويل الحزب وجمع التبرعات، ومؤازرة أهالي السجناء والمبعدين والشهداء، وعقد الاجتماعات السرية في منزله، وإخفاء الزعماء والمناضلين وإيوائهم. وكان يؤمّن للزعيم بورقيبة وزوجته ماتيلدا ما يحتاجانه حين يتخفيان في عدة مناطق من العاصمة كترنجة والدرايب وموتيال فيل.
◈ النفي والمواقف الوطنية
في سنة 1944، إثر تحطيم خط مارث من قبل الجيش البريطاني وهروب الجيش الألماني، عادت القوات الفرنسية إلى المطوية عاقدةً العزم على عزل زعماء المقاومة. اقتحمت قواتُها منزله وأودعته السجن شهراً بمعسكر برج الباف صحبة صالح بنوّر وإبراهيم بن حسن، تحت تهمة ملفّقة بالتعاطف مع الألمان، في حين كان هو في الحقيقة من المنادين بمساندة الحلفاء ودعم القوات الفرنسية والبريطانية.
كان وثيق الصلة بالمناضلين الجزائريين والمثقفين الذين زاولوا تعليمهم بجامع الزيتونة، وعلى رأسهم صديقه الشيخ الإبراهيمي والد الأخضر الإبراهيمي الوزير السابق والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. وكان يساهم شهرياً بخمسة آلاف فرنك من ماله الخاص دعماً للثورة المسلحة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954.
◈ اهتماماته الأدبية والفكرية والفنية
دأب على تنمية زاده الديني والثقافي والأدبي حتى وافته المنية، وكان شعاره الأسمى قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
والجهلُ يخرب بيوتَ العزّ والشرف
ففُزْ بعلمٍ تعِشْ به أبداً
الناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياء
تميّز بقدرة فائقة على الحفظ عن ظهر قلب، فكان يردد شعر عظماء الأدب العربي قدامى ومعاصرين، وكان ولعه شديداً بأبي الطيب المتنبي وعنترة بن شداد وأبي العلاء المعري وأبي القاسم الشابي وطه حسين وعبد الرحمن الكواكبي. وتجاوز شغفه الأدبيَّ العربيَّ إلى فلاسفة التنوير الغربيين كفولتير وروسو وتروتسكي، مطّلعاً على آثارهم مترجمةً إلى العربية.
وتأثر برواد الإصلاح الديني والسياسي في الوطن العربي أمثال محمد عبده ومحمد إقبال وخير الدين باشا التونسي. أما على صعيد الفن فكان من عشاق محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وسيد درويش وصالح عبد الحي، وبدرجة أقل عبد الحليم حافظ وفيروز. وكان مواظباً على اقتناء جرائد الشرق الأوسط والأهرام والصباح، إلى جانب اشتراكه في مجلتَي الزهرة والعربي التي كان يجمع أعدادهما في مجلدات.
◈ شخصيته وقيمه الإنسانية
عاش مع زوجته حليمة بنوّر في جوّ ساده الاحترام وحسن المعاملة المتبادلة، وأخذ على عاتقه تنويرها ثقافياً ودينياً، فكان يصطحبها إلى مسامرات وحلقات نقاش دورية مع أصدقائه المقرّبين. كان يؤمن بضرورة إشراك المرأة في الحياة الاجتماعية وتحريرها، وتجلّى ذلك في اصطحابه إياها إلى حفلات ساحة باب سويقة وقاعات المسرح البلدي والسينما.
رفض المرحوم سرد تاريخ نضاله لعدة مبعوثين من الحزب الاشتراكي الدستوري إثر الاستقلال، وردّ عدة دعوات لإسناده الصنف الأكبر من وسام الاستقلال خلال الستينيات والسبعينيات، آثراً التواضع على التكريم.