محمود الدريدي
المقاوم محمود الدريدي — من رجالات المطوية
24 فيفري 1927 — 30 نوفمبر 2024




لعب أبناء المطوية دورًا متميزًا في النضال الوطني سواء في مسقط الرأس المطوية أو خارجها وخاصة في مدينة الحاضرة، فكانوا مناضلين صادقين ساهموا في نشر الفكر السياسي وتأطير الأفراد والجماعات في الأحزاب والفرق الدستورية والكشفية، ولم يترددوا في الدعم المالي لهذه الحركات المناهضة لتواجد المستعمر الفرنسي.
ومن هؤلاء الأبطال المقاوم محمود الدريدي الذي لا تزال ذاكرته تحتفظ بصور ناصعة وحافلة بمشاهد معبرة، وما إن تذكر تلك اللحظات حتى تنكمش أساريره وتفيض عيناه دموعًا — لا سيما حين يستعيد لحظة سماعه بالحكم المسلط عليه من المحكمة العسكرية وهو الإعدام، فصلى على نفسه صلاة الجنازة. لكن من كان مع الله فلن يخيب أبدًا.
هو محمود بن علي بن محمد بن الدريدي شُهر ببوشهوة لبروز شهوة في وجهه، وتدعى أمه مبروكة بنت المختار بن رابح، ويرجع نسبه إلى عرش الشرفاء بالمطوية. ولد يوم 24 فيفري 1927 بالمطوية.
دخل كتاب مسجد سيدي علي الشريف حيث حفظ نصيبًا من القرآن الكريم وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة بإشراف الشيخ الشتيوي بن منصور. وأنجب أبوه ستة أبناء: محمد، محمود، المبروك، عائشة، عمران، فاطمة.
غادر المطوية سنة 1940 وعمره لا يتجاوز 14 سنة، إلى تونس العاصمة بحثًا عن شغل. عمل لدى ابن خالته في متجره لبيع الخضر والغلال، ثم في سوق سيدي البحري، ليصبح بعدها يعمل لحسابه الخاص كبائع متنقل باستخدام البرويطة.
بادر بالانضمام إلى الشبيبة الدستورية، متأثرًا بوطنية حميدة حاج علي، وبما سمعه من قصص بطولية أبناء المطوية في صد الاستعمار سنة 1881، ومنهم من ابتكر «مدفع الخروب» لإصابة القوات المعادية بالذعر.
خلال تواجد جيوش المحور بتونس، كلّفه الحزب بالإشراف على مراقبة الحواجز المنتصبة داخل الشوارع لمنع السيارات العسكرية الفرنسية من المرور، وكان يردد في نفسه: «ارقد يا شعبي عندك اشكون يدافع عليك».
قرر تفجير مركز الشرطة بباب سويقة فخبأ القذيفة في جامع «سبحان الله» ثم صلى ركعتين. عند خروجه من زنقة «الكبدة» لمح عربة مصفحة يمتطيها جنود فرنسيون يتوسطهم رشاش «سكيش»، فألقى القذيفة عليها وانفجرت في الحين، ولاذ بالفرار دون أن يلحق به أحد.
خطط لتفجير الكوليزي الفضاء التجاري الذي يرتاده الأجانب، ورغم انتشار القوات العسكرية الفرنسية بكثافة، نجح في إلحاق أضرار مادية جسيمة بهذا المبنى الفاخر ولم تتمكن حشود البوليس من اللحاق به.
داهم البوليس الفرنسي مقر إقامته بوكالة محمود بن حتيرة، وحاول الفرار عبر نافذة صغيرة لكن تم القبض عليه. أحيل على المحكمة العسكرية مع رفاقه: البشير جراد، عبدالله الصغير، خليفة بن الغنوسي، صالح عبد الحميد.
حُكم عليه بالإعدام. فصلى على نفسه صلاة الجنازة. بادر محمد الأصفر جراد بجلب عميد المحامين الفرنسيين من باريس فتوفق في إقناع المحكمة باستبدال حكم الإعدام بالمؤبد. رفض طوال مدة الاستجواب الكشف عن أسماء رفاقه.
أثناء إقامته بسجن القصبة حاول مع رفاقه فتح نفق يفضي إلى خارج السجن، وتمكنوا من تجاوز السور الداخلي لكن جماعة زرق العيون أفسدت برنامج هروبهم.
نُقل إلى الجزائر ليقضي ستة أشهر بين سجني الحراش والأصنام تحت رقم 1270 في زنزانة انفرادية. نجا من زلزال مدمر ضرب سجن الأصنام قضى فيه مدير السجن.
انضم إلى هيئة شعبة ترنجة طيلة عشر سنوات وتحمل العديد من المسؤوليات الحزبية منها: مساعد كاتب عام، مكلف بالشباب، مسؤول عن المقاومين. انتُدب يوم 11 جوان 1956 كحاجب بمحكمة القضاء العليا بتونس.
كانت يامنة بت العيادي عياد شقيقة زوجة محمود الدريدي تتولى بنفسها الإشراف على حمل وجبات الأكل إلى السجن. ورغم الرقابة المشددة على القفاف، نجحت يامنة في إيصال الرسائل من وإليه، بفضل حسن إحكامها إخفاءها عن أنظار البوليس. يتجلى لنا من خلال دورها مدى وعي المرأة المطوية بضرورة الوقوف إلى جانب الرجل في محنته.
« بعد دجى الليل يبزغ الفجر الجميل الباسم ويعقبه شعاع الشمس المضيئة... سننسى أيام الشدة حيث تجرعنا المر بصبر وثبات. »
« شرعنا صحبة رفاقنا في متابعة التعليم بشراهة واعتناء وممارسة التربية البدنية وكرة القدم، وهذا الاهتمام كفيل بأن يجعل من التونسي مواطنًا صالحًا لوطنه. »
انضم إلى صنف أكابر كرة القدم للشباب الرياضي المطوي سنة 1946، وتألق في رياضة الملاكمة ليتحصل على بطولة تونس خلال الموسم 1947-1948. وبعد انتهاء مباراة الدور النهائي لبطولة شمال أفريقيا تقدم منه «مورنينغ» رئيس جامعة الملاكمة قائلًا: (Très bien)، فرد عليه محمود: (C'est le résultat qui compte).
ساهم محمود الدريدي في بعث عدة منظمات وجمعيات من بينها: الشباب الرياضي المطوي (القوى الأتلتيكية وكرة القدم والملاكمة وسباق الدراجات)، جمعية كفالة المطويين، النادي المطوي للتعارف والتعاون، والجمعية التعاضدية لبناء منتزه شاطئ حيدوس بالمطوية.
وربطته صداقة وثيقة بالأديب محمد العروسي المطوي، وحين اكتمل بناء المركب الثقافي لم يتردد في حمل مكتبة الشيخ المطوي بيده ومصاحبة الشاحنة المحملة بالكتب إلى المطوية. غير أن القدر شاء أن يتعرض في فيفري 1999 لحادث مرور ابترت على إثره ساقه اليمنى.
© مدونة المطوية — جميع الحقوق محفوظة