الخميس، 19 مارس 2015
Unknown

الحقائق التاريخية المتعلقة بالمطوية في الرحلة الأثرية لفيكتور غيران في عام 1862

Tacapi  

Tacapi  و  Ad Palmam

ترجمة لنص الحقائق التاريخية المتعلقة بالمطوية في الرحلة الأثرية لفيكتور غيران في عام 1862 :


واحات الجنوب... حين يروي التاريخ أسراره

لم يكن لهذا الموقع الفريد أن يغيب عن أنظار القدماء، فقد كان بلا شك إحدى المحطات التي وُضعت بعناية على خريطة بوتينجر، تلك الوثيقة الرومانية التي وثّقت طرق الإمبراطورية. تقع هذه المحطة في المسافة الفاصلة بين ماكوماديس مينوريس (المعروفة اليوم بـ المهدية) وتاكابيه، الاسم القديم لمدينة قابس. وبحسب المسافات المدوّنة على تلك الخريطة، قد تكون هذه المحطة هي Ad Palmam، التي كانت تبعد عن تاكابيه مسافة 22 ميلًا رومانيًا. ومع ذلك، فإن المسافة الفعلية بين هنشير طرف الماء وقابس لا تتجاوز 18 ميلًا في خط مستقيم، لكن إذا سلكنا الطريق الذي يمر عبر واحات المطوية ووذرف، فإن المسافة تزداد لتبلغ 22 ميلًا، تمامًا كما أُشير إليه في الخريطة.

كان النهار يمضي ببطء ونحن نغوص في عمق الجنوب. عند الساعة الرابعة والنصف مساءً، عبرنا وادي رامة، مجرى مائي هادئ يشقّ الأرض الجافة. وبعد ساعة تقريبًا، تجاوزنا وادي الملح، الذي سُمّي كذلك بسبب مياهه المالحة المتجمّعة بين ضفتيه. وبعد دقائق، ظهرت أمامنا واحة صغيرة، العوينات، حيث تنبع المياه بالقرب من غابة نخيل وارفة. المكان ينبض بالحياة وسط هذا الفراغ الممتد، وبدت العوينات كقطعة من الجنة مخبأة في الصحراء.

ومع حلول الساعة السادسة والربع، دخلنا المطوية، تلك القرية الوادعة التي يسكنها نحو خمسمائة نسمة. كانت الحدائق تمتد حول المنازل، خصبة ومقسمة بجدران طينية صغيرة، تتخللها سواقي دقيقة توزّع المياه بعناية. النخيل يملأ المكان، شامخًا في كل زاوية، حتى بدت القرية كأنها غابة من النخيل أكثر منها مساكن بشرية.

توقّعت أن أجد هناك مالاسبينا ورفيقيه محمد ومسعود، غير أن المفاجأة كانت في غيابهم. تسللت إلى نفسي المخاوف: هل أصابهم مكروه على هذه الطرق الوعرة وغير الآمنة؟ هل تعرضوا لهجوم؟ أم ربما ضلّوا الطريق وسلكوا نحو وذرف بالخطأ؟ لم أحتمل الانتظار وسط هذه الحيرة، فانطلقت مع علي وأحمد نحو وذرف، التي تقع على بُعد ثلاثة كيلومترات ونصف شمال غرب المطوية.

هناك، وجدنا قرية يقطنها نحو ثلاثمائة نسمة، ويبدو أن التوتر يسود علاقتهم بجيرانهم في المطوية. حدائقهم، مثل غيرهم، مزروعة بالنخيل وتسقى بالمياه الجارية. ومع ذلك، لم نعثر على أي أثر لـ مالاسبينا أو مرافقيه. لم يكن أمامنا سوى العودة أدراجنا إلى المطوية.

وفي تلك الليلة الحالكة السواد، وبينما كنت أغوص في أسوأ الظنون، وصل دليلي ورفيقاه بسلام، متأخرين فقط بسبب عارض بسيط، لا يقارن بما كنت أخشاه.

تتكوّن هذه المنطقة من ثلاث واحات متجاورة: العوينات، المطوية، ووذرف. هذه الواحات، بفضل مياهها الجارية وخصوبتها، كانت مأهولة ومزروعة منذ أقدم العصور. لكن ثمة ما يثير الانتباه في خريطة بوتينجر، فقد بالغت في تقدير المسافات بين ماكوماديس مينوريس وتاكابيه مقارنةً بما جاء في دليل أنطونين. ربما لم تتبع الطريق الساحلي مباشرة، بل سلكت مسارات متعرجة داخل البلاد، ما يجعلنا نعيد النظر في تحديد موقع محطة Ad Palmam.

الاسم نفسه، الذي يعني "عند النخيل"، يوحي بأنها كانت واحة غنية بالنخيل، مما يدعم فرضية أنها كانت تقع في إحدى هذه الواحات الثلاث. وإذا صحّ ذلك، فإن أطلال طرف الماء، التي حدّدتها بأنها موقع Ad Palmam، قد تكون في الحقيقة بقايا لاسيني (Lacenae)، التي تبعد عنها ستة أميال شمالًا، وهي المسافة ذاتها التي تفصلها عن واحة العوينات.

وهكذا، تتداخل الأسطورة مع الجغرافيا، ويعود التاريخ ليهمس بأسراره وسط هذه الواحات التي لا تزال صامدة في وجه الزمن.



الحقائق التاريخية المتعلقة بالمطوية في الرحلة الأثرية لفيكتور غيران  في عام 1862

شاهد ايضا