◆
تشكّل تقارير إدارة الأشغال العامة التونسية الصادرة إبان فترة الحماية وثيقة إدارية وفنية حاسمة لفهم الخريطة المائية التاريخية لواحة المطوية البحرية. فهذه التقارير لم تكن مجرد أرقام جافة، بل كانت رصداً دقيقاً لنظام مائي أزلي وجده الاستعمار قائماً ومستغلاً بكفاءة عالية قبل دخول الآلات الحفرية الحديثة.
◇
◈ أولاً: ماذا في دراسات الأشغال العامة مما يعني المطوية؟
عندما باشر مهندسو الإدارة الفرنسية جرد المقاطعة الجنوبية، ركزت تقارير مصلحة المياه والملاحة على رصد المنظومة المائية البكر داخل واحة المطوية، وكشفت الدراسات عن معطيات جوهرية:
01
إحصاء وتسمية العيون
وثّق الأرشيف الرسمي وجود 21 عيناً طبيعية وتقليدية نابعة في عمق الواحة البحرية وأطرافها، تتدفق طبيعياً بفعل الضغط الجيولوجي دون أي تدخل آلي.
02
التقنين العقاري للنوبة
وجد الفرنسيون نظاماً عرفياً صارماً يديره أمين الماء لتوزيع المياه بالزمن، فقامت الإدارة بتسجيله في دفاتر المسح العقاري لتثبيت حصص العائلات وفرض الضرائب.
03
رصد جودة المياه
ركزت التقارير على ملوحة مياه المطوية، خاصة عين المالح التي تراوحت ملوحتها بين 3.5 و4.5 غ/لتر، مع الإشادة بقدرة الفلاح المطوي على اختيار الزراعات الملائمة.
04
بداية الأزمة المائية
توثق التقارير تدخل الإدارة لتبطين بعض العيون بالإسمنت والأنابيب الحديدية بعد تراجع صبيبها نتيجة حفر الآبار الارتوازية العميقة في الضيعات الاستعمارية المجاورة.
◇
◈ ثانياً: العبقرية الهندسية للأجداد — الدواميس والأنفاق الجوفية
تؤكد التقارير أن أهالي المطوية، قبل الحماية بقرون، ابتكروا شبكة هندسية متطورة تعرف بـ الدواميس:
🕳
الأنفاق الأفقية
أنفاق جوفية حُفرت يدوياً لجر المياه نحو الواحة بانحدار خفيف مدروس، بما يقلل ضياع المياه بالتبخر إلى أدنى مستوياته.
⬆️
الآبار العمودية — المنافس
فتحات عمودية حُفرت على مسافات منتظمة لتوفير التهوية، وإخراج الأتربة، وتسهيل أعمال الصيانة الدورية من قِبَل الجهّارة.
◇
◈ ثالثاً: ملحمة «الجهر» والتضامن الاجتماعي الواحي
لم تكن الدواميس والعيون لتستمر دون صيانة دورية، إذ كانت الرواسب الكلسية والطحالب وجذور الأشجار تعيق جريان المياه:
⛏
الجهّارة
عمال متخصصون ينزلون عبر المنافس لتنظيف الأنفاق يدوياً، بينما يتولى عمال السطح رفع الأتربة والرواسب بحبال وأدوات تقليدية.
💰
التمويل الجماعي
كان أصحاب المغارس يتقاسمون تكاليف أعمال الجهر بحسب حصصهم من مياه العين — نظام عادل ومتوازن أرساه المجتمع الواحي.
🍲
إطعام العمال
كانت عائلات الحومة تتناوب على إعداد الطعام وتقديمه للعمال دعماً لهم في هذا العمل الشاق، جسداً تعاون الواحة في أبهى صوره.
إن الخريطة المائية للمطوية، بما تضمّه من 21 عيناً طبيعية، تمثل شاهداً تاريخياً على منظومة مائية وهندسية واجتماعية متكاملة، أرسى دعائمها الأجداد، وحافظت عليها الأجيال عبر نظام دقيق لتوزيع المياه وصيانتها.
◇
◈ جدول العيون التاريخية الأصيلة لواحة المطوية
الـ 21 عيناً الطبيعية الموثّقة في الأرشيف الرسمي الفرنسي:
01العين القديمة
02عين الدلام
03عين الشارب
04عين المالح
05عين الشريعة
06عين الصامت
07عين الرقايقة
08عين الرمل (الغايرة)
09عين الحمراية
10عين النعجة
11عين القصبة
12عين اليد
13عين الشويكي
14عين الهنشير الشقاف
15عين السوق
16عين الجامع
17عين البليدات
18عين الغابة
19عين دار طاهر
20عين دار الفقير
21عين دار الثوير
◇
◈ ظاهرة العيون الفجئية والنزازات الموسمية
وثّقت تقارير الأشغال العامة ظاهرة العيون الفجئية أو النزازات الموسمية، وهي ينابيع تظهر وتختفي تبعاً للدورات المناخية والهيدرولوجية:
🌧
عيون «الحملة»
تظهر بعد مواسم الأمطار الغزيرة في قفصة وجبال مطماطة، حيث يرتفع ضغط المياه الجوفية فتنبثق ينابيع مؤقتة يستغلها الفلاحون لري البساتين، ثم تختفي مع انخفاض منسوب المياه.
🌊
النزازات البحرية
باعتبار المطوية واحة ساحلية، كانت تظهر عيون صغيرة قرب السباخ والشاطئ عند ارتفاع منسوب المياه أو أثناء المد، تتغير ملوحتها بحسب حركة المد والجزر.
🔍
منابع الدواميس المنسية
كان الجهّارة أثناء تنظيف الدواميس يكتشفون أحياناً عروقاً مائية جديدة، إذا كان تدفقها قوياً ألحقت بالعين الرئيسية، وإذا كان ضعيفاً تُركت وطال نسيانها.
✦