تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الجمعة، 23 أغسطس 2024

ليلة المولد في المطوية

ذاكرة المطوية · المولد النبوي

ليلة المولد في المطوية

حين كانت الواحة تنشد الهمزية

ليلة المولد في المطوية

في المطوية القديمة، لم يكن المولد النبوي الشريف مجرد يوم في التقويم، بل كان موعدًا تنتظره الواحة، فتتغير فيه ملامح الحياة من المساء إلى الصباح.

تضاء المساجد والزوايا، وتُهيَّأ البخور والضيافة، وتستعد العائلات للمناسبة. وفي الأزقة وبين السواني والأرباض، كانت الحركة تزداد مع اقتراب الليلة المباركة.

كان للمولد أيضًا إطار رسمي يعود إلى الدولة الحسينية؛ فقد نظمت الأوامر الباياتية إحياء المناسبات الدينية، ثم تعزز التأطير الإداري خلال القرن العشرين، مع اضطلاع مؤسسة الأحباس بدور في تمويل بعض أوجه الشعائر والخدمات المرتبطة بها.

❧ ✦ ❧

ليلة الذكر والإنشاد

حين يحل المساء، تتجمع الناس في المساجد والزوايا.

تبدأ تلاوة القرآن، ثم تُروى أخبار السيرة النبوية، وترتفع أصوات الذكر والإنشاد. وكانت الطرق الصوفية الناشطة في المنطقة، مثل القادرية والعيساوية والمدنية، جزءًا من المشهد الروحي والاجتماعي الذي يميز تلك الليلة.

ومن النصوص التي ارتبطت تقليديًا بالمولد النبوي «الهمزية في مدح خير البرية» للإمام البوصيري.

وفي مقطعها الخاص بمولد النبي ﷺ، يقول البوصيري:

وُلِدَ المصطفى وحُقَّ الهَنَاءُ
وتَدَاعَى إيوانُ كِسْرَى ولَوْلا

— الإمام البوصيري، الهمزية في مدح خير البرية

ثم يستحضر الشاعر مشاهد الولادة وما رافقها من علامات في المخيال الديني، وصولًا إلى الاحتفاء بمولد النبي ﷺ.

وهكذا يمكن تخيل إحدى ليالي المولد في المطوية: صوت المنشد يتردد في فضاء الزاوية، والحاضرون يستمعون في خشوع، بينما تمتد رائحة البخور في المكان، وتبقى الواحة في الخارج غارقة في ظلام الليل وأضواء المصابيح.

من المسجد إلى البيت

لكن الاحتفال لم يكن ينتهي عند أبواب المسجد.

في البيوت، كانت النساء يستعددن للمناسبة منذ وقت مبكر، وتُحضّر العصيدة، ثم يأتي الصباح حاملاً معه عادة جميلة من عادات التكافل.

تخرج الأطباق من البيوت، وتتبادلها العائلات بين السواني والأرباض.

لم تكن العصيدة مجرد طعام؛ كانت جزءًا من المناسبة، ومن لغة التواصل بين الناس. فطبق ينتقل من بيت إلى آخر كان يحمل معه التهنئة والمودة وصلة الجوار.

وكانت الأواني نفسها جزءًا من المشهد اليومي للمناسبة، مثل المثرد والبرمة، إلى جانب أدوات الإنارة والبخور التي رافقت الاحتفال.

المولد... و«العونة»

في تلك الليلة، كانت روح التويزة حاضرة بقوة.

فالمولد يجمع العائلة والجيران، ويتيح للفقراء وحفظة القرآن نصيبًا من الصدقات والطعام. وكانت موارد الأحباس تسهم، وفق التنظيم الوقفي، في تمويل بعض احتياجات الشعائر، مثل الإنارة والبخور والضيافة، وفي تقديم العطايا العينية من الحبوب والتمر.

وبذلك أصبح المولد مناسبة يلتقي فيها الديني بالاجتماعي؛ ذكرٌ وإنشاد من جهة، وتكافل وتبادل للطعام من جهة أخرى.

عينٌ أخرى تراقب

لكن في زمن الحماية الفرنسية، لم تكن هذه التجمعات تمر دون مراقبة.

فالمولد كان يجمع عددًا كبيرًا من الناس في المساجد والزوايا والساحات، ويجمع في الوقت نفسه رجال الدين وأتباع الطرق الصوفية ووجهاء المجتمع والأهالي.

ولهذا تعاملت سلطات الحماية مع هذه المناسبات بحذر، فسمحت بإقامتها في إطار من التنظيم، لكنها أبقت عليها تحت المراقبة، خصوصًا مع خشيتها من أن تتحول التجمعات الدينية إلى فضاء للتعبير عن مشاعر وطنية أو مناهضة للوجود الاستعماري.

وهكذا كانت ليلة المولد تحمل في المطوية مشهدًا مركبًا: عبادة وذكر، إنشاد وسيرة، عصيدة وتويزة، وأعين تراقب من بعيد.

حين كانت الواحة تستعيد ذاكرتها

ومع بزوغ الفجر، كانت أصوات الليل تهدأ، وتعود المطوية تدريجيًا إلى حياتها اليومية.

لكن شيئًا من تلك الليلة كان يبقى في البيوت والزوايا والذاكرة.

كانت رائحة البخور، وصوت الهمزية، وأطباق العصيدة المتبادلة، وحلقات الذكر، واجتماع العائلات، كلها تشكل ذاكرة واحدة لمناسبة لم تكن بالنسبة إلى أهل المطوية مجرد احتفال ديني.

لقد كان المولد النبوي في المطوية موعدًا سنويًا تتجدد فيه الروابط؛ بين الإنسان ودينه، وبين العائلة والجيران، وبين الواحة وذاكرتها.

وكانت الهمزية، بما تحمله من أبيات في مدح النبي ﷺ ووصف مولده، واحدة من النصوص الشعرية التي تمنح تلك الليلة صوتها وروحها.

في تلك الليلة، كانت المطوية لا تحتفل بالمولد فحسب... بل كانت تستعيد نفسها.

ليلة المولد في المطوية