تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الثلاثاء، 15 يوليو 2025

عبدالله المقيَّد.. قصة سجين من المطوية 1900

❧ ✦ ❧

السجين عبدالله من المطوية

حلق الوادي — السجين عبدالله من المطوية 1900
حلق الوادي — سجن كراكة — 1900م

حلق الوادي ★ سجن كراكة ★ 1900م

📜 وثيقة فوتوغرافية — 1900م

الوثيقة الفوتوغرافية

صورة تعود إلى عام 1900 تُظهر سجينَين مقيّدَين بالسلاسل عند سجن كراكة بحلق الوادي. السجين الذي يحمل دلوَين يُدعى عبدالله، وهو من أبناء مدينة المطوية. السجين الثاني، الذي يحمل مجرفة، يهودي تونسي من الطبقة الثرية.

هذه الصورة ليست مجرد وثيقة أرشيفية، بل هي شهادة إنسانية على آليات القمع الاستعماري الذي طال أبناء المطوية كغيرهم من أبناء تونس في تلك الحقبة.
أرشيف المطوية — نسخة محسّنة
السجين عبدالله من المطوية 1900 — نسخة محسّنة
السجين عبدالله من المطوية — سجن كراكة بحلق الوادي — 1900م

القراءة الإنسانية — ما وراء الصورة

ما الذي يُمكن قراءته في صورة رجل مقيّد بالسلاسل يحمل دلوَين في عام 1900؟ إنها ليست مجرد صورة سجين — إنها لقطة إنسانية عميقة تحمل طبقات متراكمة من المعنى:

👁
الكرامة المسلوبة
القيد الحديدي ليس فقط أداة تقييد جسدي، بل هو رسالة مقصودة: هذا الجسد لم يعد حراً. وعبدالله الذي نشأ في واحة المطوية الخضراء، وجد نفسه يحمل دلوَين في زنازين حلق الوادي — ذلك الانتقال من الفضاء الرحب إلى الضيق المقيّد يختزل مأساة الفرد في مواجهة آلة القمع.
📷
الصورة كأداة إذلال
في القرن التاسع عشر وبداية العشرين، كانت تصوير السجناء المقيّدين ممارسةً استعمارية شائعة تحمل دلالةً مزدوجة: توثيق السيطرة من جهة، وإنتاج خطاب بصري يُظهر "الآخر" مُستأسَداً وخاضعاً من جهة أخرى. الصورة تُوزَّع، تُنشر، وتُذاع — وفيها رسالة ضمنية للتونسيين: هذا ما ينتظركم إن قاومتم.
التباين الاجتماعي داخل الزنزانة
الجمع في الصورة بين ابن المطوية الفقير ويهودي تونسي ثري يكشف عن حقيقة مهمة: القانون الاستعماري لم يُفرّق دائماً بين الطبقات في العقوبة، لكنه فرّق في الأسباب والمآلات. من أين جاء عبدالله؟ وما الذي أوصله إلى هذا المكان؟ الصورة تطرح الأسئلة دون أن تجيب.
🏠
من هو عبدالله؟
لا نعرف اسمه الكامل، ولا جريمته، ولا مآله. لكننا نعرف أنه من المطوية .

تحليل موضوعي — آليات السجن الاستعماري

بعيداً عن الحكم الأخلاقي المسبق، تكشف هذه الوثيقة عن منظومة قضائية وعقابية استعمارية يمكن فهم آلياتها بموضوعية:

🔍 أولاً — القانون الاستعماري وازدواجية المعايير
فرضت فرنسا على تونس منذ 1881 منظومة قانونية هجينة: قانون فرنسي للمستوطنين، وقانون محلي معدَّل للتونسيين. وكان سجن كراكة بحلق الوادي يضم معتقلين من خلفيات متنوعة، أحكامهم صادرة في الغالب عن محاكم مختلطة لا تضمن بالضرورة مبدأ المساواة أمام القانون. الفجوة بين النص القانوني المُعلَن والتطبيق الفعلي كانت واسعة.
🔍 ثانياً — السخرة والعمل القسري
الدلوان اللذان يحملهما عبدالله ليسا أدوات تأهيل، بل أدوات عمل قسري. كانت السجون الاستعمارية في تونس — وعلى رأسها سجن كراكة — تعتمد نظاماً صريحاً لاستغلال طاقة السجناء في الأشغال العامة، ومنها بناء الموانئ والطرق وصيانة المنشآت. السجين كان يد عاملة مجانية لفائدة الإدارة الاستعمارية.
🔍 ثالثاً — التوثيق الفوتوغرافي بوصفه أداة إدارية
شاع في فرنسا وإداراتها الاستعمارية خلال نهاية القرن التاسع عشر توظيف التصوير لأغراض بيروقراطية وأمنية: أرشفة وجوه السجناء، توثيق أعدادهم، وبناء ملفات هوية. لكن هذه الصور كانت تنتقل أيضاً إلى الصحافة والكتب، لتُسهم في بناء صورة نمطية عن "الجنائي التونسي" أو "الأهلي الخطير".
🔍 رابعاً — الأرشيف كذاكرة مُنتَقاة
وصلت إلينا هذه الصورة لأن شخصاً ما اختار حفظها وتوثيق اسم عبدالله وبلده. لكن كم من أبناء المطوية وتونس مرّوا بهذه السجون دون أن تُحفظ ذاكرتهم؟ الأرشيف الاستعماري يحفظ ما يختار حفظه، ويُخفي ما يختار إخفاءه — وهذا وحده يكفي لتحفيز التساؤل النقدي أمام كل وثيقة من هذا النوع.

السياق التاريخي — المطوية عام 1900

1881
دخول الحماية الفرنسية لتونس. بدء تطبيق القانون الاستعماري وإنشاء المحاكم المختلطة.
1885
إصدار قوانين عقارية تُمكّن المستوطنين من الاستيلاء على الأراضي. بدء الضغط على مجتمعات الجنوب.
1890
المطوية واحة منتجة وكثيفة السكان. حفر آبار ارتوازية في الضيعات الاستعمارية المجاورة. بدء الضغط الاقتصادي.
1900
العام الذي التُقطت فيه هذه الصورة. المطوية تعيش تحت وطأة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحماية.
في هذا السياق المضطرب — حيث تتراجع الأراضي التقليدية وتتبدّل موازين الاقتصاد — لم يكن غريباً أن يجد بعض أبناء المطوية أنفسهم في مواجهة مع القانون الاستعماري الجديد الذي لم يصنعوه ولم يُسهموا في صياغته.

خاتمة

تبقى هذه الصورة شاهداً صامتاً على حقبة كاملة من التاريخ التونسي. عبدالله من المطوية ليس مجرد رقم في أرشيف الحماية — هو إنسان له اسم وبلد وجذور. وقراءة صورته بعين ناقدة وموضوعية واجبٌ علينا: لا لإصدار أحكام أخلاقية جاهزة، بل لفهم كيف تعمل آليات القمع، وكيف تُنتج الصور خطاباً، وكيف تحفظ الذاكرة ما تختار حفظه. رحم الله عبدالله ابن المطوية، وكل من لم تُكتب قصته.
عبدالله المقيَّد.. قصة سجين من المطوية 1900