تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الأربعاء، 27 أغسطس 2025

المنسوجات الصوفية في المطوية

صناعات تقليدية

المنسوجات الصوفية في المطوية

من جزّة الصوف إلى قطعة النسيج

المنسوجات الصوفية في المطوية

عرفت المطوية بصناعة المنسوجات الصوفية، واحتلت هذه الصناعة مكانة بارزة بين الصناعات التقليدية في القرية. وقد اشتهرت المطوية بإنتاج منسوجات صوفية متينة، مزركشة بالألوان، ومن أبرزها الكليم، والبطانية، والعجار (وهو غطاء نسائي تقليدي يُستعمل لتغطية الرأس والوجه).

ولم تكن قطعة النسيج تظهر جاهزة في وقت قصير، بل كانت تمر برحلة طويلة تبدأ من الصوف الخام وتنتهي بقطعة منسوجة متقنة. وكانت المرأة المطوية تتولى معظم هذه المراحل، وأحيانًا تعمل ضمن مجموعة من النساء، لأن معالجة الصوف كانت في الغالب عملًا جماعيًا.

✦ ✧ ✦

إعداد الصوف

قبل أن تبدأ عملية النسج، كان لا بد من إعداد المادة الأولى، وهي الصوف.

تبدأ المرأة بـنتف الجزز؛ والجَزّة هي كمية الصوف التي تُقصّ من الشاة في عملية واحدة، أما الجزز فهي كتل الصوف المجزوزة التي تكون في شكلها الأولي قبل تنظيفها وتمشيطها.

وبعد ذلك تنزع المرأة ما علق بالصوف من أوساخ وشوائب، ومن بينها الحَسَك (وهو نبات شائك كان يعلق بالصوف).

ثم يُغسل الصوف جيدًا، وينشر في الهواء الطلق في مكان مشمس حتى يجف.

وبعد تجفيفه، تُنثر عليه دقاق التربة، والمقصود بها هنا الرشاد المطحون، وذلك للمساعدة على امتصاص الدهون والزيوت الطبيعية العالقة بالصوف.

وحين يجف الصوف تمامًا، يُجمع في صرر (حزم أو لفائف من القماش يُجمع فيها الصوف) أو يوضع في أكياس، بحسب الكمية المتوفرة.

وكانت عملية تحويل الصوف غالبًا ما تقوم بها الرغاطة، وهي مجموعة من النساء المتخصصات في معالجة الصوف وتحويله إلى خيوط صالحة للنسج. ولذلك نادرًا ما كانت امرأة واحدة تتولى جميع مراحل العمل بمفردها.

من الصوف إلى الخيط

ولتسهيل فصل الصوف بعضه عن بعض، تستعمل النساء المشطين، أي الأمشاط الخاصة بتمشيط الصوف وتفكيك خصلاته.

ثم تبدأ عملية الندف، وهي تفكيك الصوف وتنقيته وتمليسه حتى تصبح أليافه أكثر ليونة وانتظامًا.

وخلال هذه العملية تنتقي المرأة أجود أنواع الصوف، وهو الصوف الذي يميل إلى البياض الناصع، لتصنع منه القيام، أي الخيط الصوفي المعدّ لنوع معين من النسيج.

أما الصوف الأقل جودة، فتحوله بواسطة القرداش (أداة تُستعمل لتفكيك الصوف وتمشيطه) إلى الليق، وهو الصوف الذي يُهيأ في مرحلة لاحقة ليصبح الطعمة، أي الخيط الذي يدخل في تركيب النسيج.

وتُغزل الطعمة باستعمال مغزل الطعمة، وهو أداة يدوية تستعمل لتحويل الصوف المفكك إلى خيط متواصل.

وكان هناك اختلاف في طريقة الغزل؛ ففي غزل الطعمة يرتكز محور المغزل على الأرض، بينما يكون غزل القيام معتمدًا على صنارة المغزل، أي الجزء الذي يحمل المغزل في وضع مرتفع عن الأرض.

وبعد الغزل تتكون خيوط الجداد، وهي الخيوط الطولية التي تشكل أساس النسيج، وتسمى في اصطلاح النسيج الحديث خيوط السدى.

صباغة الصوف

ولم تكن الألوان المستعملة قديمًا كثيرة، إذ كانت المواد المتوفرة محدودة، لذلك اشتهرت المنسوجات بالألوان الأبيض والأسود والأحمر.

وكانت النساء يستعملن مواد طبيعية لاستخراج الأصباغ، من بينها قشور الرمان والكركم والقوة والبوعدال.

وكانت هذه المواد تُستخدم للحصول على درجات لونية مختلفة، بحسب طريقة إعدادها وتركيزها.

وهكذا كانت الطبيعة المحيطة بالمرأة مصدرًا أساسيًا لألوان نسيجها، قبل ظهور الأصباغ الصناعية وانتشارها.

نصب المنسج

بعد إعداد الصوف والغزل والصباغة، تنتقل النساجة إلى مرحلة أساسية، وهي نصب المنسج، الذي يُعرف محليًا باسم السعدوة.

والمنسج هو الإطار الخشبي الذي تُشد عليه الخيوط لتتمكن النساجة من إدخال خيوط اللحمة بينها وصنع النسيج.

تبدأ النساجة بتثبيت الملازم، وهي قطع حديدية تُغرس في الأرض لتثبيت خيوط السدى، ثم تمرر حولها خيوط الجداد بطريقة متقاطعة.

وكل ثلاثة خيوط من الجداد تُربط معًا، وتسمى هذه المجموعة القندي.

ويتكون الملزم من عشرة أزواج من القندي، أي من ستين خيطًا من الجداد.

ولكي تتمكن النساجة من تحديد أبعاد القطعة المراد نسجها، تستعمل السواد العالق بأسفل القدر، فتضع به علامة على الجداد عند نهاية كل ذراع، أي وحدة قياس تقليدية تعتمد تقريبًا على طول الذراع.

وبهذه العلامات تستطيع تحديد عرض القطعة وطولها أثناء عملية النسج.

وبعد إتمام السداية، وهي عملية إعداد خيوط السدى وترتيبها وتمديدها استعدادًا للنسج، تُنزع الملازم الحديدية من الأرض، مع الحرص على ألا تتداخل خيوط الجداد أو تختلط ببعضها.

وفي الطرف السفلي للسداية يُثبت المطرق، وهو عود أو قطعة خشبية أفقية تساعد على تثبيت خيوط السدى وتنظيمها.

ثم تُخاط خيوط الجداد المجمعة بالخشبة السفلية للمنسج.

وتُثبت قائمتان عموديتان، تدخل إحداهما في فتحة تسمى الفلي في الخشبة السفلية من جهة اليمين، وتدخل الأخرى من جهة اليسار.

ومن أعلى القائمتين تُربط الخشبة العلوية، فيكتمل الهيكل الأساسي للمنسج.

ولضمان توازن المنسج وثباته، تُربط القائمتان بحبلين متقاطعين يمتدان نحو الحائط المقابل.

وهكذا ينتصب المنسج في مكانه، مستعدًا لاستقبال خيوط النساجة.

النيرة وبداية الحياكة

بعد انتصاب المنسج، تبدأ النساجة في إعداد النيرة.

والنيرة هي مجموعة من الخيوط والأدوات التي تساعد على رفع بعض خيوط السدى وخفض بعضها الآخر، بحيث يتكون ممر تمر منه خيوط اللحمة.

فتلف النساجة الخيوط التي تتحكم في الخبال (وهو نظام الخيوط الذي يساعد على فتح ممر بين خيوط السدى) حول المطرق وعود القصب، المعروف أيضًا باسم عصى النيرة.

ويُسمى هذا العود أيضًا الخشبة المعترضة، لأنه يكون موضوعًا بصورة عرضية بين أجزاء المنسج.

وقبل أن تبدأ الحياكة، تترك النساجة مسافة تقارب عشرة سنتيمترات في بداية القطعة، تخصص لصنع الشراريب، وتترك مسافة مماثلة أو أكبر في نهايتها.

خيط بعد خيط

الآن تبدأ عملية الحياكة.

تمرر النساجة خيط اللحمة، أي الخيط العرضي، واحدًا تلو الآخر بين خيوط السدى، أي خيوط الجداد الممتدة طولياً.

وتستعمل المرود، وهو أداة رفيعة تساعد على تحريك الخيوط، أو تستعمل شوكة النخيل، فتُنزِل خيوط اللحمة من أعلى إلى موضعها في أسفل النسيج.

ثم تستعمل الخلالة، وهي أداة تُستخدم لدق خيط اللحمة وضغطه حتى يثبت في مكانه داخل النسيج.

وكانت عملية الحياكة ترافقها أجواء خاصة؛ فكلما ضربت النساجة بالخلالة صدر عنها رنين متتابع، يمتزج بصوت غنائها، فيصبح العمل وكأنه إيقاع متكامل:

ضربة خلالة، يتبعها صوت غناء، ثم خيط جديد، فضربة أخرى... وهكذا كانت الحرفة تجمع بين العمل والإيقاع والغناء.

وكلما ارتفع النسيج مقدار ذراع أو أكثر، تتوقف النساجة لتنقيته باستعمال الحكاكة.

والحكاكة قطعة من الكرناف، أي الجزء الداخلي من جريد النخلة بعد إزالة سعفه، وتتميز بسطح خشن يساعد على تسوية النسيج.

وبها تزيل النساجة ما يظهر على سطح النسيج من نتوءات صوفية، أي خيوط أو ألياف صوفية تخرج من موضعها دون أن تنفصل تمامًا عن النسيج.

ثم تستأنف عملها من جديد.

خيطًا بعد خيط، وضربة بعد ضربة، ترتفع القطعة شيئًا فشيئًا أمام عينيها.

اكتمال النسيج

وأخيرًا تصل النساجة إلى نهاية القطعة.

عندها تحل رباط القوائم، وتقص ما زاد عن الحاجة من خيوط الجداد من الجهتين، ثم تبسط القطعة على الأرض.

وتبدأ مرحلة التشطيب الأخيرة؛ فتقص العقد بالمقص، وتنظف القطعة من الزوائد، وتسوي سطحها وأطرافها حتى يصبح النسيج أملس ومتناسقًا.

وهكذا تنتهي رحلة طويلة بدأت بـجزّة صوف على ظهر شاة، ثم مرت بالغسل والتنظيف والندف والتمشيط والغزل والصباغة، قبل أن تصل إلى المنسج، حيث تتحول الخيوط المتفرقة إلى قطعة واحدة متماسكة.

ولم تكن المنسوجات الصوفية في المطوية مجرد أشياء تُستعمل في الحياة اليومية، بل كانت ثمرة معرفة متوارثة ومهارة دقيقة وصبر طويل.

وكانت المرأة تحمل في يديها أسرار هذه الحرفة؛ تعرف كيف تختار الصوف، وكيف تنظفه، وكيف تغزله وتصنع ألوانه، ثم كيف تنصب المنسج وتنسج الخيوط حتى تخرج من بين يديها قطعة تجمع بين المتانة والجمال والوظيفة.

وهكذا ظل المنسج جزءًا من ذاكرة البيت المطوي، ومكانًا تنتقل فيه الحرفة من الأم إلى ابنتها، ومن جيل إلى جيل، لتبقى المنسوجات الصوفية واحدة من أبرز ملامح التراث الحرفي في المطوية.

أرشيف حيّ ومتجدد

المنسوجات الصوفية شاهدة على مهارة يد المرأة المطوية وصبرها عبر الأجيال.

المنسوجات الصوفية في المطوية