تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الاثنين، 18 أغسطس 2025

المطوية سنة 1932 قراءة تاريخية وتحليلية لخطاب التضامن والإصلاح

وثيقة من أرشيف المطوية — 1932

وثيقة تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية بالمطوية

شهادة مادية على الوعي المدني والنهضوي لأبناء المطوية إبان فترة الحماية الفرنسية، وعلى توظيف العمل الجمعياتي والتعليمي في مواجهة الفقر والجهل.

صورة رمزية للوثيقة التاريخية لتأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية بالمطوية سنة 1932

12 ذي الحجة 1350 هـ الموافق لمايو 1932 م

تقدم هذه الوثيقة التاريخية، التي تعود إلى 12 ذي الحجة 1350 هـ الموافق لشهر مايو 1932م، شهادةً مادية قاطعة على الوعي المدني والنهضوي لأبناء مدينة المطوية خلال فترة الحماية الفرنسية بتونس. وتُبرز كيفية توظيف العمل الجمعياتي والتعليمي لمواجهة التهميش والاستعمار. وفيما يلي تحليل متكامل للرسالة عبر تفكيك محاورها الخمسة الرئيسية واقتطاع أبرز شواهدها النصية.

محاور الرسالة التأسيسية

من الاستشهاد بالعلم إلى تنظيم أول اقتراع محلي بالمطوية
المحور 01

العلم كمرتكز للنهضة

استهل كتّاب الرسالة خطابهم بإعادة صياغة مقولة مأثورة تُنسب في الأدبيات الإسلامية إلى الإمام الشافعي، لجعل «العلم» هو المحرك الأساسي لأي مشروع مجتمعي.

«أما بعد فقد علمتنا التجارب أن لا حياة إلا بالعلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم.»

يعكس هذا المقتطف الأدبيات الإصلاحية التي سادت في تونس بداية القرن العشرين. يربط المحررون بين «الحياة» و«العلم»، معتبرين أن تطوير المطوية لا يمكن أن يتحقق بالوسائل التقليدية فحسب، بل بالمعرفة الشاملة التي تجمع بين منافع الدنيا والآخرة.

المحور 02

التضامن بين العاصمة والبلدة الأم

تُظهر الرسالة شكلين من أشكال التضامن: بين أبناء الجالية المطوية في تونس العاصمة، وأهالي المطوية في الجنوب التونسي.

«لهذا فكر أبناء المطوية القاطنون بتونس في تأسيس جمعية خيرية إسلامية ببلاد المطوية... لتضم بين جدرانها أبناءنا وفلذة أكبادنا من الفقراء والمساكين حتى نقضي حقاً نحن لا زلنا مدينين فيه.»

يعكس النص ظاهرة «التضامن الشبكي» لأبناء الجنوب التونسي الذين هاجروا إلى العاصمة للعمل أو الدراسة، دون أن ينقطعوا عن قضايا بلدتهم الأم. وعبارة «حتى نقضي حقاً نحن لا زلنا مدينين فيه» تبرز وعياً أخلاقياً عالياً، إذ تُعتبر الرعاية والتعليم ديناً واجباً لا مجرد إحسان.

المحور 03

استشارة الأعيان والنخب المحلية

لم يفرض أبناء المطوية بتونس مشروعهم كأمر واقع، بل اعتمدوا آلية الاستشارة الشاملة والتوافق داخل البلدة.

«ولهذا رأينا اللياقة الكافية في استشارتكم واستشارة من ترون فيه اللياقة... ولنا فيكم أمل وطيد في قبولكم هذه الدعوة المباركة.»

مخاطبة سيدي محمد بن محمد بن درغام الشريف تُظهر مكانة أعيان ووجهاء المطوية، والدور الإيجابي الذي لعبته العائلات الشريفة والدينية في دعم المشاريع الإصلاحية. واستخدام لفظ «اللياقة» يدل على الأدبيات الإدارية الراقية المعمول بها في مراسلات تلك الفترة.

المحور 04

تأسيس المجتمع المدني وآلياته القانونية

تُعدّ الرسالة وثيقة نادرة توثق خطوات تأسيس جمعية أهلية محلياً تحت نظام الحماية، وكيفية تنظيم الانتخابات في النصف الأول من القرن العشرين.

«كما تجدون القانون الأساسي الذي سيقدم إلى الحكومة عند الشيخ محمد الصالح وعدول المطوية وأئمة الجمعة... تنتخبون لنا عشرة رجال عاملين ليمضوا لنا في القانون المذكور وتبليغهم إياه إلى الحكومة.»

يشير النص إلى وجود «قانون أساسي» مكتوب يعكس نضج العمل الجمعياتي. وإيداع النسخة لدى الشيخ محمد الصالح وعدول المطوية وأئمة الجمعة يمثل تغطية شريحة واسعة من السلطات المحلية. كما أن مطالبة الأهالي بانتخاب «عشرة رجال عاملين» تعبّر عن ممارسة مبكرة للانتخاب والتمثيل النيابي الشعبي بالمنطقة.

المحور 05

الختام الأخلاقي والرمزي

اختتمت الرسالة بآية قرآنية لتأكيد الطابع النبيل والمصلحي للمبادرة ولتحفيز المشاركين على المساهمة.

«فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» — الإمضاء: محمد بن رحومة / الحاج بوعين

الاستشهاد بسورة الزلزلة يُضفي شرعية دينية وأخلاقية على المبادرة الجمعياتية، ويجعل المشاركة فيها واجباً ينال عليه المساهم الأجر والثواب، وهو ما ينسجم مع طبيعة الجمعيات التضامنية الإسلامية في تونس إبان تلك الفترة.

المطوية سبّاقة في العمل الإصلاحي

تثبت الوثيقة أن مدينة المطوية لم تكن بمنأى عن الحراك الوطني والإصلاحي في تونس خلال ثلاثينيات القرن العشرين، بل كانت سبّاقة في:

  • تأسيس العمل الجمعياتي الأهلي للحد من آثار الفقر والجهل.
  • استغلال أطر التضامن بين العاصمة والجهات لتنمية المنطقة محلياً.
  • ممارسة التسيير الديمقراطي والتشاركي عبر كتابة القوانين الأساسية وانتخاب ممثلي البلدة.

وثيقة تحفظ لحظة مبكرة من الوعي المدني والتضامن الاجتماعي في تاريخ المطوية.

المطوية سنة 1932 قراءة تاريخية وتحليلية لخطاب التضامن والإصلاح