تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الثلاثاء، 26 مايو 2026

البشير ناجح الحمداني

❧ ✦ ❧

البشير ناجح الحمداني

البشير ناجح الحمداني
البشير ناجح الحمداني

رائد التعليم وأبو مدرسة الشبان بالمطوية

23 جويلية 1924 — 22 مارس 1974
البشير ناجح الحمداني

هو البشير بن بلقاسم بن أحمد الحمداني الناجح، المعروف بـ"بلعور"، وأمه الصالحة بنت بوبكر بوسعدة. وُلد في الثالث والعشرين من جويلية 1924 بالمطوية، حيث نشأ وترعرع وتلقّى تعليمه الأول. وما إن أتمّ مرحلة التعليم الابتدائي حتى قاده طموحه إلى جامع الزيتونة المعمور، ذلك الصرح العلمي العريق الذي أنجب نخبة العلماء والمصلحين، فارتوى من معين العلم والمعرفة. وبعد تخرّجه عاد إلى مسقط رأسه ليتولّى إدارة مدرسة الشبان المسلمين الابتدائية بالمطوية منذ عام 1950، مواصلاً رسالته حتى وافته المنية في الثاني والعشرين من مارس 1974 بتونس. وكان لانخراطه في جمعية الشبان المسلمين —التي تأسّست عام 1936 إثر صدور قانون الجمعيات القائم على مبدأ التصريح بدلاً من الترخيص— أثرٌ بالغ في صقل وعيه التربوي ورسم مسيرته في خدمة أبناء وطنه.

تأسيس مدرسة الشبان المسلمين بالمطوية

حملت المدرسة في وثيقة وصل التبرع الأولى اسم: "مدرسة الشبان المسلمين القرآنية بالمطوية" — شاهدٌ أصيل على نبل المقصد وعلوّ الهمة.

في عام 1947، قاد البشير ناجح الحمداني مساعي تأسيس المدرسة، مستنداً إلى دعم رئيس جمعية الشبان المسلمين الشيخ محمد الصالح النيفر الذي أمدّه بالترخيص اللازم. وامتدّت أشغال البناء بين عامَي 1949 و1950، وقامت على تبرعات أهالي المطوية الكرام. وفي الفاتح من أكتوبر 1950، فُتحت أبواب المدرسة على مصراعيها، ليكون البشير ناجح الحمداني أول مدير لها، ولم يغادر هذا المنصب حتى وافته المنية في الثاني والعشرين من مارس 1974.

محطات في مسيرة العطاء

1924
الميلاد في المطوية في 23 جويلية 1924
1936
الانخراط في جمعية الشبان المسلمين
1947
قيادة مساعي تأسيس مدرسة الشبان
1948
تأسيس أول فوج للكشافة الإسلامية التونسية بالمطوية
1950
افتتاح المدرسة في الأول من أكتوبر وتولّي إدارتها
1958
تأميم المدرسة بعد أن بلغ عدد تلاميذها 286 تلميذاً
1960
الانضمام في 25 ماي إلى المجلس البلدي الثاني بالمطوية مساعداً لرئيس البلدية
1971
رئاسة الاتحاد الرياضي بالمطوية موسم 1971/1972
1974
الرحيل في 22 مارس 1974 بعد مسيرة حافلة بالعطاء والبناء

المنهج التربوي

تميّزت المدرسة بمنهج فريد جمع بين المواد النظرية والتربية العملية من زراعة وبستنة وتربية دواجن، مراعاةً لخصوصيات المطوية وطبيعة أهلها. وكان يُدير شؤونها بمعيّة ثلة من المربين المخلصين، واشتُهر في المحيط الاجتماعي بلقب "البشير باللعور". وقد عانت المدرسة في سنواتها الثلاث الأولى من تفاوت حادّ في أعمار التلاميذ وبعض عدم الاستقرار، كما اقتصرت في مرحلتها الأولى على استقبال الذكور دون الإناث.

صورة تاريخية
صورة تاريخية
ساحة البشير ناجح الحمداني
صورة تاريخية

نشاطه الاجتماعي والسياسي

أسهم البشير ناجح الحمداني بفاعلية في طيف واسع من الهياكل والجمعيات السياسية والثقافية والاجتماعية، وفي مقدّمتها: الحزب الحر الدستوري التونسي، والحزب الاشتراكي الدستوري الذي تولّى رئاسة شعبة المطوية في دورة 1973/1975 وقد خلفه بعد رحيله الكاتب العام الهاشمي رابح. فضلاً عن انخراطه في: جمعية الشبان المسلمين، والكشافة التونسية، ومنظمة التربية والأسرة، وجمعية التضامن الاجتماعي، والجمعية المحلية للمحافظة على القرآن الكريم، والمجلس المحلي للتعاضد، والجمعية التونسية للتنظيم العائلي، والنقابة الجهوية للتعليم الابتدائي، وجمعية أولياء التلاميذ، والاتحاد المحلي للمكفوفين، والاتحاد الرياضي بالمطوية، واللجنة الثقافية المحلية.

وقد أشادت مجلة الشبان المسلمين في عددها الأول (ربيع الثاني 1366هـ / مارس 1974م) بحيوية البشير ناجح الحمداني ودعمه للنشاط الكشفي، مستشهدةً بموقفه في مؤتمر الجمعية حين آثر الانضمام إلى لجنة الكشافة رغم تعدّد الأعمال التي كان يودّ طرحها، مما يدلّ على عمق انتمائه للحركة الكشفية وحرصه الشديد عليها، وهو ما كان يشاركه فيه شباب المطوية جميعاً.

مسيرته النضالية

على غرار سائر الوطنيين من أبناء قريته، انخرط البشير ناجح الحمداني في صفوف الحزب الحر الدستوري التونسي مناضلاً صادقاً، وكان في طليعة الشباب الذين أسهموا في توعية المواطنين وحثّهم على الإضرابات، ومقاومة الوجود الاستعماري الفرنسي والتصدّي لممارساته القمعية. وبعد استقلال تونس، واصل دوره الفاعل في دعم مسيرة التنمية المحلية والجهوية، مشاركاً في الجلسات التنموية برأيه السديد ونظرته الثاقبة. وفي الخامس والعشرين من ماي 1960، انضمّ إلى المجلس البلدي الثاني بالمطوية متولّياً مهام مساعد رئيس البلدية طوال الدورة النيابية 1960/1963.

سمات شخصيته

عُرف البشير ناجح الحمداني بجرأته في قول الحق، فلم يكن يتردّد في نصرة المظلوم ومواجهة الظالم بالتوبيخ والنصيحة. وكانت توجيهاته تمتدّ من المدرسة إلى المناسبات العائلية إلى المسجد حيث كان يؤمّ الناس في صلاة الجمعة. كما كان يُدير جلسات حوار عفوية مع شيوخ القرية في مقاهي صالح بريك وسعيد عمران، يناقشون فيها همومهم الدينية والاجتماعية، وطالما أضفت تدخّلاته بروحه الخفيفة أجواءً من المرح والبهجة على الحاضرين.

إسهاماته الرياضية والتربوية

في الميدان الرياضي، تولّى رئاسة الاتحاد الرياضي بالمطوية في موسم 1971/1972، فكانت بصماته واضحة وجليّة، إذ حرص على أن تكون الجمعية مدرسةً تُعدّ شباباً متشبّعين بالروح الرياضية وأخلاق الفضيلة، إلى جانب اهتمامه بتكوينهم البدني. ومن الأنشطة التربوية المحبّبة التي ميّزت مدرسته الخرجةُ الربيعية السنوية، حيث كان يصطحب تلاميذه مع هيئة التدريس إلى أطراف الواحة أو هضاب فنكر المراشدة لاستقبال الربيع. وكان المشهد آسراً: تلاميذ يسيرون في صفّين منتظمين كالقطار يرددون أناشيد تتغنّى بجمال الربيع وبهجته. فإذا استقرّ الجميع في مكان ظليل ألقى "سي البشير" كلمة ملهمة يستخلص فيها الحكمة من هذه الرحلة، مستحضراً قيمة الخضرة في الحياة الإنسانية، قبل أن توزَّع الحلوى على الجميع. ومع الأصيل يعود الركب مبتهجاً بما نهل من متعة وفرح.

الإسهام الكشفي

أسهم عام 1948 في تأسيس أول فوج للكشافة بالمطوية تحت راية الكشافة الإسلامية التونسية، مضيفاً بذلك لبنةً أخرى راسخة إلى صرح نهضته الاجتماعية والتربوية، ومجسِّداً حرصه الدائم على بناء الإنسان قبل بناء الحجر.

صورة تاريخية
صورة تاريخية
البشير ناجح الحمداني
البشير ناجح الحمداني
البشير ناجح الحمداني

خاتمة

رحل البشير ناجح الحمداني إلى جوار ربه في الثاني والعشرين من مارس 1974، تاركاً وراءه إلى جانب أبنائه من صلبه أجيالاً هي مدينة له بما غرسه فيها من علم وقيم وتربية سليمة. وقد أكسبه إصلاحه التربوي والاجتماعي — الذي نادراً ما يُجسّده آخرون — محبّةً واحتراماً امتدّا داخل المطوية وخارجها، وتجلّى ذلك في خطبه المؤثرة وحكمته في تسيير المؤسسات التربوية والجمعيات على حدٍّ سواء. ومدرسة الشبان التي أسّسها شاهدٌ خالد على جهوده في خدمة أبناء المطوية وإعداد أجيالهم. رحمه الله رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جنّاته.
البشير ناجح الحمداني