.... إن الاهتمام بالتراث ليس عملاً تاريخياً تجاوزه الزمن بقدر ما هو عمل حياتي حاضري ومستقبلي نستفيد منه جميعاً وهو يتطلب نظرة جديدة تُدرَّس وتُوظَّف للإفادة والاستمرار.
- الإهداء ص 2
- المقدمة ص 3
- لمحة تاريخية عن موقع وتكوين المطوية ص 4
- آثارهم تدل عليهم ص 6
- السكان ص 7
- الهجرة والظاهرة المطوية ص 11
- مدرسة «الكوليج» الابتدائية ص 12
- مدرسة الشبان المسلمين ص 13
- الأعياد والمواسم والمآتم ص 14
- العادات الغذائية ص 15
- الأعراس ص 16
- المنسوجات الصوفية ص 25
- صناعة السَّمار بالماية ص 27
- الفلاحة ص 28
- الجمعيات والنوادي ص 31
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه
إلى روح والدي العزيز الذي انطفأ شمعه قبل أن أستنير به دربي
إلى والدتي نعم الأم الحنون ...
وإلى الذين ساعدوني على تحقيق هذا البحث ...
إلى كل الذين شجعوني على سلك هذا الدرب لأتمكن من إنجاز هذا العمل.
لقد وُجدت الرغبة والعزيمة الصادقة في صيانة تراث المطوية والمساهمة في المحافظة على المعالم الأثرية، ولكن سرعان ما منيت هذه التجربة بالفشل، ولم تعمر تلك المحاولة طويلاً إلا أن المسألة تبقى مطروحة لإعادة النظر فيها على العموم، وخاصة الشباب والشيوخ القلائل الذين يعتبرون أوثق قنوات الربط في هذه المهمة الثقافية.
فالدعوة ملحّة وأكيدة للمساهمة في دراسة التراث المطوي الذي يعدّ مؤشراً من علامات الحياة المتنوعة، ولزاماً علينا كذلك أن نخشى عواقب الثقافة الغربية في التأثير على عادات وتقاليد أمتنا العربية والإسلامية وأن نتمسك بأصالتنا التي تقودنا إلى الاعتزاز بتراثنا المجيد.
فمن خلال هذا العمل المتواضع المتمثل في قراءة للتراث المطوي، حاولت أن أتجنب الإعادة والتكرار نظراً لتشابه بعض العادات والتقاليد في مختلف مناطق الجنوب خاصة، وقد سعيت إلى تقديم ما لم يُنشر على ما نُشر.
الصناعات التقليدية المميزة في المطوية كالسَّمار والمنسوجات الصوفية لم تنل حظها ـ رغم وجود مركز للصناعات التقليدية منذ الستينيات ـ فإنه يمثل فقط استجابة اقتصادية للحصول على القيمة المضافة دون المبادرة بالاهتمام بها من منتجات صوفية تقليدية رفيعة من التعريف لدى الناشئة.
وأملي أن يجد القارئ بعد الاطلاع على هذا البحث ما يروي ظمأه لمعرفة نمط حياة أجدادنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومستقبله، وما أهل المطوية إلا جزء لا يتجزأ من المجتمع التونسي ككل.
البشير التيجاني الرقيقي
المطوية منطقة بلدية ومركز معتمدية منذ سنة 1957، تابعة لولاية قابس، تقع في الجنوب الشرقي من الجمهورية التونسية، يحدها البحر الأبيض المتوسط شرقاً وذرف غرباً والعكاريت شمالاً وقابس وغنوش جنوباً.
وتنتصب المطوية بين البحر وهضاب «الديسة»، والسهول الزراعية بين غابات وواحات نخيل ورمان، وهذه الأخيرة أصبحت مهددة بالزوال الآن، وتوجد في ملتقى الطرقات التجارية بين قابس والقيروان والطريق الصحراوية الرابطة بين قابس ومنطقة الجريد، ومنها إلى الجزائر عبر وادي سوف والمزاب، ومنها إلى إفريقيا السوداء.
كانت المطوية تُسقى من عين تقع في الجهة الغربية للقرية تُعرف حالياً بـ«العين القديمة». ويذكر المؤرخ محمد المرزوقي في كتابه «قابس جنة الدنيا» أن هذه العين كانت ممراً للقوافل التجارية المتنقلة بين قابس والقيروان، فدنت يوماً ناقة من إحدى القوافل وقصدت العين لتطفئ ظمأها فغرقت فيها، فسُميت (عين المطية) ثم حُرّفت فأصبحت المطوية.
وكانت الساقية الممتدة من العين تصل إلى الماية القديمة بوسط الواحة، وبجانب هذه الساقية وُجدت الميضأة وهي عبارة عن حوض ماء ملازم للساقية لتمكين الناس من الوضوء أو الاغتسال عند الضرورة.
ليس من الصدفة أو الغريب أن نعثر على عينات من الآثار القديمة في المطوية باعتبار ما تزخر به مناطق البلاد التونسية والمتمثلة أساساً في المخطوطات والرسوم وغيرها كالأواني والعظام.
بعد سقوط قرطاج استولى الرومان على أراضيها، آنذاك كانت قابس تابعة للمملكة النوميدية التي تأمر عليها مِسينيسا وأخواه مستنبال وغولسة.
تُحدد المسافة في كتاب «الروض المعطار» بنحو خمسة أميال بأفريقية في نخل وجنات ومياه جارية. والميل البري يساوي 1609 متراً، فإن الخمسة أميال يقابلها ما يساوي 8 كلم أو يزيد بقليل.
من أهمّ العروش الأوائل التي استقرت بالمطوية نذكر عرش البكاكشة الذي تفرّع عن سيدي مبارك وزاويته ما زالت قائمة الذات. وينسب عرش الشرفاء إلى الساقية الحمراء من أراضي مراكش بالمغرب الأقصى، ويدعى أن أبا بكر من سلالة فاطمة الزهراء ابنة الرسول ﷺ مرض بمكان في المطوية وهو في طريقه إلى الأراضي المقدسة.
كانت الماية القديمة تتكون من مساكن صغيرة وغير مرتفعة، سُقّفت البيوت بجذوع النخيل، وسادت الماية حياة اجتماعية متميزة فيها اعتمد أهلها على التعاون وحبّ بعضهم لبعض.
أُسِّس هذا المسجد الجامع على بركة الله بقرية الماية بالمطوية سنة 1355هـ الموافق 1936م بتعاون أهل القرية بأبدانهم وأموالهم عملاً بقوله تعالى «وتعاونوا على البرّ والتقوى». قام بتصميمه والإشراف عليه الطاهر بن علي بن الطاهر، أحسن الله لجميع من ساهم في بنائه وتشييده آمين.
ترجع هجرة أهالي المطوية للإقامة بتونس العاصمة إلى قرابة ثلاثة قرون فأكثر، وعرفت أحياء ترنجة وباب الخضراء والمرجانية ونهج الرمانة وسوقي بلخير والحي المطوي (راس الطابية) والقائمة تطول بتواجدهم.
وتعود أسباب النزوح إلى ضعف مردود الفلاحة السقوية وانعدام النشاط التجاري داخل القرية. وخارج قريتهم حافظ المطاوة على لهجتهم وعوائدهم وتميّزوا بظاهرة اجتماعية تتمثل في التعاون والتكتل والتضامن ونكران الذات؛ فالمطاوي للمطاوي أخ وصديق يساعده في السراء والضراء.
فُتحت النواة الأولى لمدرسة «الكوليج»، التي أصبحت اليوم تسمى بمدرسة شارع بورقيبة، يوم 1917/10/8، وقد تم بناؤها من طرف محمد أحمودة حسب المثال المقدم من كتابة الأشغال العمومية.
وفي سنة 1929 شُيِّد مقر جديد للمدرسة بضاحية المطوية تعرف بالماية، من طرف الطاهر بن علي بالطاهر وهو نائب لجهة قابس بالمجلس الكبير، وقد تسوَّغت الحكومة الفرنسية هذا المحل لجعله مدرسة يؤمها طلاب العلم، وانطلق فيها العلم في الموسم الدراسي 1929/1930 حيث وصل عدد التلاميذ إلى 209 موزعين على خمسة أقسام بإدارة «روبير».
لمقاومة الاستعمار والتخلف توخى شعبنا طرقاً متنوعة، ومن بينها دعوة المواطنين للتعليم وتشييد المدارس. ولتجنب الجهل والتغلب عليه كان عليه التسلح بالعلم الذي يحلق به الشعوب إلى سماء الحرية والكرامة.
فُتحت أبوابها في 1950/10/01 فأمّها 77 طفلاً كلهم مسلمون. وفي غرة أكتوبر 1970 ضُمَّ إليها فرع المدرسة الفرنسية العربية، وبذلك صارت تتألف من أصل وفرع وتشتمل على حديقة فلاحية تمسح 4500 م².
إن لشهر الصيام في القرية نكهة خاصة إذ يعظمه الأهالي فيحتفلون به أحسن احتفال، يُحيون لياليه بالمساجد ويقومون بصلاة التراويح التي تعد عشرة ركعات.
وتقترن ليلة 27 من شهر رمضان بختم القرآن الكريم في غالب المساجد في صلاة التراويح، وتسارع النساء بحمل صُرر البخور أو ما يسمينها بـ«المجموعة»، وفي المسجد الجامع يُحيي الأهالي هذه الليلة فتتلقى المواعظ وتُنشد الأذكار والمدائح النبوية.
عند المصائب فإن أهالي القرية يمدّون يد المساعدة أدبياً ومادياً لأهل الميت أو المصاب. ويجتمع أهل الميت من الرجال في المسجد الذي يُعرف باسم عرشهم، إذ نجد مساجد الشرفاء والرقايقة والمراشدة والماية.
برهنت العادات الغذائية التقليدية عن استمراريتها في القيمة الرمزية للأغذية. فرغم تطور عادات الطبخ فإن الميزات المحلية التي تختص بها المطوية ما زالت باقية، وبحكم تواجد واحات النخيل بالقرية فقد كانت تغذية الأهالي تعتمد على التمور طازجة وجافة.
يُجمع التمر وتنزع نواته بالسكين ثم يُنشر في الشمس لعدة أيام ويُخزن في الخابية بعد أن يُدكّ بالرجلين داخلها. وقد يضاف إليه الزعتر والأكاليل لإعطائه نكهة لذيذة عند أكله.
ومن الحبوب كالشعير والبشنة تمكنت المرأة المطوية من استنباط عديد الأكلات. فالعصيدة «العيش» أكلة يومية مكونة من دقيق الشعير ومرق البشنة «الحساء». ومن القمح توفقت المرأة إلى طبخ عديد الأنواع من الكسكسي فكان المسقّي والبركوكش والمقطّر والمسفوف.
لرمان المطوية خصائص تميزه عن رمان الجهات الأخرى فهو يمتاز بقشرته الرقيقة وحلاوة مذاقه. وتعدد المرأة المطوية أكلات الرمان في تصنيفات عديدة، ومنها «المسفوف» (الكسكسي بالرمان) و«البسيسة» (زميطة الرمان).
كانت لحفلات الأعراس في المطوية خصوصياتها وتقاليدها المميزة فهي مناسبة للفرح والمرح، وتقام الأعراس في الغالب في فصل الشتاء نظراً لاشتغال أهالي القرية في الأعمال الفلاحية طيلة الصيف.
تقصد النساء والفتيات العين للردن أو لغسل الثياب، وتوافد الفتيات يشكّل فرصة سانحة للتعرف. وعند وقوع التراضي بين الفتاة والشاب تتبادر أم الشاب بالاتصال بأم الفتاة ويُحدد موعد قراءة الفاتحة بحضور عدلين رسميين لكتابة العقد.
تقوم مجموعة من النساء بتخضيب قدمي العروسة، فتوضع الحنة معجونة في الكفين وفي باطن القدمين في أشكال ونقوش متناسقة. ومن الأغاني الشعبية التي تُردد النساء أثناء تخضيب العروسة أغنية «حتّي يا داده مريم»:
في هذا اليوم يذبح كل من أهل العروسين شاة أو أكثر لطبخ «الكسكسي» الذي يعدّ الأكلة السائدة، فتنتصب القدور ويتواصل الطبخ إلى أول الليل فيُطعمون المدعوين ويوزعون بعضه على الجيران والأقارب.
في الليل تغادر العروسة منزل أبيها نحو منزل عريسها مشياً على الأقدام، وقبل أن تدخل بيت الزوجية تقذف بالبيضة على واجهة الباب ثم تتخطى عتبة الحجرة ليقع الزفاف. وعند وصول المنزل تُرتجل الجنادة الأهل العروسة مغنيات:
عرفت المطوية بصناعة المنسوجات الصوفية واحتلت المكانة الأولى ضمن الصناعات التقليدية بالقرية، فللمطوية شهرة واسعة في إنتاج المنسوجات الصوفية المتينة والمزركشة بالألوان كالكليم والبطانية والعجار.
تبادر «المرأة المطوية» بنتف الجزز ثم تنزع ما علق بالصوف من أوساخ وحسك، وبعد غسله ينشر في الهواء الطلق بمكان مشمس وتُلقى عليه دقاق «الترية» لامتصاص الدهون العالقة به.
وصبغ الطعمة يرتكز على الألوان الموجودة: اللون الأسود والأبيض والأحمر فقط، وتتمثل الأصباغ في «قشور الرمان» والكركم والفوّة والبوعدّال.
منذ القديم وسكان الماية يحذقون صناعة السَّمار الذي منه تُصنع الحصر والسجاجيد والقفاف والقياسات، وقد وصلت هذه الصناعة إلى مستوى رفيع من الإتقان والمهارة.
يقول العم محمد الخناشي أن أول من أتى بها إلى القرية هو جد لآل زكري اسمه زكري أصيل طرابلس ليبيا، وكان ذلك من زمن بعيد. ويضيف أنه تعلمها عن أبيه وعمره 26 سنة، فكان يساعده في عمله نهاراً أما في الليل فيعمل وحده ومردوده ينفقه على شؤونه الخاصة.
يصل طول الساحل البحري بالمطوية إلى قرابة 30 كلم وتعدّ ميناه ثرية بالأسماك. وقد دأب أسلافنا على الصيد الساحلي بطريقة «الشرافي» انطلاقاً من شهر أوت إلى أواخر شهر أكتوبر وذلك في أيام «الحياء» من الأشهر القمرية.
بعد طرد المستعمر استرجعت المطوية أراضيها وتُعدّ أول أراضيها التي أتمّت استرجاعها سنة 1959 بعد شراء أرض العوينات التي تمسح 1700 هك.
«القيدوس» هو ساعة مائية تتكون من آنيتين نحاس: تعلق إحداهما «بالحمّارة» ومن خلال أنبوب شعري يتقاطر الماء نحو الآنية السفلى. وكلما فرغت الآنية العليا يملأها أحدهم من جديد، وتتكرر العملية حسب عدد «القيدوسات» المتفق عليه مسبقاً بين الفلاحين.
وظهر النادي الحزبي بالمطوية في صائفة سنة 1920م تحت إشراف الشيخ حميدة بن الحاج محمد الهمداني، ركّز نشاطه على جمع التبرعات والقيام باجتماعات لتحريض المتساكنين على التظاهر والتنديد بسياسة المستعمر.
وفي المجال الرياضي تعد جمعية «الشباب الرياضي المطوي» من الفرق العريقة، وتأسست سنة 1945 على أيدي التيجاني بن رمضان وعبد القادر بن يحي والمطوي بن محمود والكيلاني الشريف.
كفالة الاحتياطي لإكفال المطويين — النادي المطوي للتعارف (1958) — جمعية التضامن والتعاون المطوي بمدينة ليون الفرنسية — جمعية المطوية الجديدة — جمعية الشباب الثقافي المطوي — مهرجان العين للجمعيات الثقافية.
المرحوم البشير التيجاني الرقيقي
نافذة على تاريخ المطوية وتراثها
الناشر المؤلف — مطبعة المنارة ـ قابس — نوفمبر 1990
ISBN 9973-17-087-3
