المطوية وذرف وقابس في أبحاث الدكتور بول بروفوتيل اللسانية (1910–1911)
شهادة مبكرة على ديناميكية التعريب والبقاء المعجمي الأمازيغي في الجنوب التونسي
نشأة الدراسة الاستكشافية
أنشأ الدكتور بول بروفوتيل دراسته الاستكشافية انطلاقاً من عمله طبيباً عسكرياً في الجنوب التونسي بين سنتي 1909 و1911. أتاح له احتكاكه المباشر بالسكان إجراء مسح ميداني وإثنوغرافي شمل القرى الممتدة بين سلاسل جبال أورباتا والسند وصولاً إلى واحات الشريط الساحلي، مع تركيز خاص على بلدة المطوية وذرف وواحات قابس.
جولات 1910 و1911 بين المطوية وذرف
زار بروفوتيل المطوية وذرف خلال جولاته الميدانية بين 1910 و1911، والتقى مباشرة بأهالي المنطقة ورواتها. اعتمد طريقة الإملاء المباشر لتسجيل الألفاظ والمصطلحات الشائعة، وقارنها باللهجات الزناتية في قلعة السند والمناطق المجاورة.
شكّلت المطوية وذرف، بحكم موقعهما الجبلي القريب من الواحات، نقطة تحول لغوية واضحة في ملاحظاته.
الانعزال اللغوي وظاهرة الجزر اللسانية
لاحظ أن اللسان الأمازيغي في الجنوب التونسي لم يعد يشكل نطاقاً جغرافياً متصلاً، بل تحول إلى جزر لسانية معزولة في المناطق المرتفعة.
أما في المطوية وذرف والواحات المجاورة لقابس، فقد لاحظ تسارع عملية التعريب واستبدال لغة التواصل اليومي نتيجة التداخل المستمر مع المحيط العربي الواسع. أصبحت اللهجة الأمازيغية مقتصرة تدريجياً على النطاق الأسري في بعض القرى الجبلية، بينما سادت العربية التونسية في الأسواق والتعاملات اليومية.
الانصهار الاقتصادي والتجاري بين الجبل والواحة
شكلت المطوية وواحات قابس، ومعها ذرف، مركزاً اقتصادياً وتجارياً مهماً يرتاده أهالي القرى الجبلية والسند لبيع منتجاتهم وتبادل البضائع.
فرض هذا الاحتكاك التجاري والإداري اليومي استعمال العربية التونسية كلغة تواصل مشتركة، ما أدى تدريجياً إلى تراجع استعمال الزناتية، واقتصارها على مجالات محدودة داخل الأسرة في المناطق المرتفعة المحيطة بالمطوية وذرف.
الترسب المعجمي في لسان أهالي المطوية وذرف وقابس
أوضح بروفوتيل أن غلبة اللسان العربي في المطوية وذرف وواحات قابس لم تُلغِ التراث الأمازيغي كلياً، بل بقي حاضراً في شكل ترسبات معجمية محتفظ بها في اللهجة الدارجة، خاصة في المجالات التالية:
- الفلاحة والري: أسماء أجزاء النخلة، وأدوات توزيع المياه، والمواسم الفلاحية.
- الحرف والصناعات التقليدية: مصطلحات أدوات الغزل والنسيج وصناعة الحصائر.
- البيئة الطبيعية: أسماء النباتات البرية والأعشاب والأطباق التقليدية.
نبذة عن الدكتور بول بروفوتيل
طبيب عسكري وباحث في الإثنوغرافيا واللسانيات، عمل في الجنوب التونسي بين سنتي 1909 و1911. استغل جولاته الميدانية لتوثيق اللسان الزناتي والتراث اللغوي الشفهي في مناطق السند والمطوية وذرف وقابس.
أسهمت أعماله، خاصة دراسته المنشورة عام 1911 عن لهجة قلعة السند، في توثيق جانب مهم من التاريخ اللغوي لجنوب تونس، بما في ذلك التحولات التي شهدتها المطوية وذرف وواحات قابس.
خاتمة
تُعدّ التمازيغت، أو اللغة الأمازيغية، من أقدم لغات شمال أفريقيا، وهي فرع مستقل من العائلة اللغوية الأفروآسيوية، تمتاز بتنوعها اللهجي الكبير وامتدادها التاريخي عبر آلاف السنين. ويبقى رصد بروفوتيل لهذه المناطق شاهداً مبكراً على ديناميكية التعريب والبقاء المعجمي الأمازيغي في الجنوب التونسي.