العمارة التقليدية بالمطوية خلال القرنين 19 و 20
هوية المكان وعبقرية الإنسان في بناء المسكن الواحي على ضفاف خليج قابس
واحة المطوية.. نموذج فريد للعمارة الواحية
تمثل واحة المطوية، الواقعة بالجنوب الشرقي التونسي على ضفاف خليج قابس، نموذجًا فريدًا للعمارة الواحية التي استطاعت عبر قرون طويلة أن تتكيف مع المناخ الصحراوي والموارد المحلية، فصاغت فضاءً عمرانياً يجمع بين الوظيفة والجمال والاستدامة.
ويقوم النسيج العمراني التاريخي للواحة على ثلاث ركائز متكاملة: المسكن المطوي التقليدي، والمعمار الديني والروحي، ثم المعمار الفلاحي الذي ظهر خلال فترة الحماية الفرنسية بمنطقة العوينات.
عمارة تنبض بالحياة والخصوصية
يقوم المسكن المطوي على مفهوم العمارة المنكفئة نحو الداخل، حيث تنغلق الواجهات الخارجية لحماية السكان من الرياح المحملة بالرمال وحرارة الشمس، بينما تنفتح جميع الفضاءات على صحن الدار (الحوش) الذي يمثل القلب النابض للمنزل.
ويضمن الحوش التهوية الطبيعية والإنارة وتلطيف المناخ داخل البيت طوال فصول السنة.
من السقيفة إلى بيت الخزن
تتكون الدار المطوية من عناصر معمارية متكاملة، لكل منها وظيفة دقيقة في الحياة اليومية للأسرة الواحية، من سقيفة الدار المصممة بمدخل منكسر يحفظ الخصوصية، إلى سقيفة الزوايل المخصصة لإيواء الدواب.
- الدكانة: مصطبة مرتفعة للنوم والجلوس تحمي من رطوبة الأرض.
- المستحان: فضاء صغير للغسل والوضوء داخل الغرفة.
- المنسج: ركن نسج الصوف والملافي، ووحدة إنتاج اقتصادي.
- بيت الخزن: غرفة قليلة الفتحات لحفظ المؤونة السنوية.
انسجام كامل مع البيئة الواحية
اعتمد البناؤون على مواد محلية وفرتها الواحة ومحيطها الطبيعي، فجاءت الجدران من الحجر الكلسي والشرشور والطين، بسماكة تتجاوز خمسين سنتيمتراً لضمان العزل الحراري.
أما الأسقف فشُيدت باستعمال جذوع النخيل (الزوايز)، تعلوها طبقات من الجريد ثم الطين والملاط الكلسي، في حين طُليت الجدران بالجير الأبيض لعكس أشعة الشمس، مع نوافذ صغيرة مرتفعة تتجه نحو الحوش الداخلي.
روح الواحة وعنوان هويتها
احتلت المساجد والزوايا مكانة محورية داخل النسيج العمراني للمطوية، حيث اتسمت المساجد ببساطة تصميمها ومتانة بنائها، واعتمدت القباب والعقود الكلسية التي توفر البرودة داخل قاعات الصلاة.
أما الزوايا والمقامات الروحية فكانت مراكز للإشعاع الديني والاجتماعي، وتضم قباباً ملساء وصحوناً لإقامة حلقات الذكر وغرفاً لاستقبال الضيوف وعابري السبيل.
بصمة العمارة الفلاحية الاستعمارية
شهدت منطقة العوينات خلال فترة الحماية الفرنسية ظهور نمط معماري مختلف عن عمارة الواحة التقليدية، تمثل في مساكن المعمرين التي اتسمت بالانفتاح على الخارج والشرفات الواسعة والأسقف المغطاة بالقرميد الأحمر.
كما شُيدت منشآت تقنية وخدمية عديدة، شملت مخازن المحاصيل والإسطبلات والجابيات ومحطات ضخ المياه، إضافة إلى المباني المرتبطة بخدمات البريد والنقل.
خاتمة
تكشف العمارة التقليدية بواحة المطوية عن تجربة إنسانية ثرية استطاعت أن توائم بين متطلبات البيئة الصحراوية واحتياجات المجتمع المحلي، فأنشأت مساكن تجمع بين البساطة والكفاءة والاستدامة، لتظل شاهداً على عبقرية الإنسان الواحي في توظيف الموارد المحلية وصياغة هوية عمرانية متميزة.