تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
السبت، 25 يوليو 2026

قابس سنة 1068م في وصف أبي عبيد البكري

من نص البكري في «المسالك والممالك»

وفيها جميع الثمار، والموز بها كثير، وهي تمير القيروان أصناف الفواكه، وبها شجر التوت الكثير، ويقوم من الشجرة الواحدة منها من الحرير ما لا يقوم من خمس شجرات من غيرها، وحريرها أطيب الحرير وأرقّه، وليس في عمل إفريقية حرير إلا في قابس. واتصال بساتين ثمارها مقدار أربعة أميال، ومياهها سائحة مطردة يسقى بها جميع أشجارها، وأصل هذا الماء من عين خرارة في جبل بين القبلة والغرب منها يصب في بحرها. وبها قصب السكر كثير. وبقابس منار منيف، ويحدو الحادي عند قدومه من مصر إلى إفريقية فيقول:
لا نوم، لا نوم ولا قرارا
حتى أرى قابس والمنارا
وساحل مدينة قابس مرفأ للسفن من كل مكان، ويذكر أهل قابس أنها كانت أصح البلاد هواء.
يقال: ما اجتمع في مائدة رجل ثلاثة أشياء متضادة المواضع إلا في مائدة من يسكن قابس: يجتمع فيها الحوت الطري، ولحم الغزال الطري، والرطب الجني.
مدينة قابس لها حصن حصين وأرباض واسعة، وفيها فنادق وحمامات، وقد أحاط بجميعها خندق كبير يجرّون إليه الماء إذا خافوا من نزول عدو إليهم، فيكون أمنع شيء، ولها وادٍ يسقي بساتينها وأرباضها ومزارعها، وأصل هذا الوادي من عين خرارة في جبل بين القبلة والمغرب وهو يصب في البحر.
مدخل

قابس عند جغرافيي القرون الوسطى

تُعدّ مدينة قابس من أعرق مدن الجنوب التونسي، وقد حظيت باهتمام الجغرافيين والرحالة المسلمين منذ القرون الوسطى. ومن أبرز من وصفها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري (ت 1094م)، الذي دوّن في كتابه المسالك والممالك صورة دقيقة عن ازدهارها الاقتصادي والعمراني والطبيعي خلال القرن الحادي عشر الميلادي.

قراءة تاريخية

واحة الفواكه ومنبت الحرير

يكشف وصف البكري عن مدينة بلغت درجة كبيرة من الازدهار الاقتصادي والعمراني، فقد كانت قابس واحة زراعية استثنائية تمون القيروان بالغلال والثمار. ويبرز النص أيضاً أهمية صناعة الحرير، إذ كانت قابس المنطقة الوحيدة في إفريقية التي تنتج الحرير بكميات معتبرة، اعتماداً على انتشار أشجار التوت، وهو ما يدل على نشاط صناعي ذي قيمة اقتصادية عالية إلى جانب الفلاحة.

قراءة تاريخية

عين خرارة ونظام الري

يؤكد حديث البكري عن قصب السكر أن قابس احتضنت زراعات نادرة تحتاج إلى وفرة المياه واعتدال المناخ، وهو ما يعكس تطور منظومة الري المعتمدة على العيون الطبيعية، وفي مقدمتها عين خرارة التي كانت تمد الواحة بالمياه قبل أن تنتهي إلى البحر.

قراءة تاريخية

الحصن والخندق والمرفأ

يتجلى عمران المدينة في وجود الحصن، والأرباض، والخندق الدفاعي، والفنادق، والحمامات، وهي عناصر تدل على مدينة منظمة ذات أهمية تجارية وعسكرية. كما جعل المرفأ البحري من قابس محطة رئيسية على طرق الملاحة بين مصر وبلاد المغرب، وهو ما يفسر حركة السفن والتجار الوافدين إليها.

قراءة تاريخية

ملتقى البحر والواحة والصحراء

يحمل المثل الذي أورده البكري دلالة جغرافية عميقة؛ فاجتماع السمك الطازج القادم من البحر، ولحم الغزال القادم من الصحراء، والرطب القادم من الواحة في مائدة واحدة، يعكس الموقع الفريد لقابس عند ملتقى ثلاثة مجالات طبيعية، وقد منحها هذا الموقع تنوعاً اقتصادياً وغذائياً قلّ نظيره في مدن المغرب الإسلامي.

قراءة تاريخية

المنارة في وجدان المسافرين

يكشف البيت الشعري الذي يتغنى بمنارة قابس عن مكانة المدينة في وجدان المسافرين، إذ كانت منارتها علامة يهتدي بها القادمون بحراً، ورمزاً لاستقبالهم بعد رحلة طويلة عبر الساحل.

خاتمة

إن وصف أبي عبيد البكري لا يمثل مجرد شهادة جغرافية، بل يعد وثيقة تاريخية تؤكد أن قابس كانت واحدة من أكثر مدن إفريقية ازدهاراً في العصر الوسيط، تجمع بين الزراعة المتقدمة، والصناعة، والتجارة البحرية، والتحصين العسكري، وتستفيد من نظام مائي متقن حافظ على ازدهار واحتها عبر قرون طويلة.

المصدر: أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، المجلد الثاني، الطريق من مدينة طرابلس إلى قابس.

قابس سنة 1068م في وصف أبي عبيد البكري