قابس في وصف أبي عبيد البكري: واحة البحر والجريد
شهادة جغرافية من القرن الحادي عشر توثّق ازدهار مدينة قابس
من نص البكري في «المسالك والممالك»
حتى أرى قابس والمنارا
قابس عند جغرافيي القرون الوسطى
تُعدّ مدينة قابس من أعرق مدن الجنوب التونسي، وقد حظيت باهتمام الجغرافيين والرحالة المسلمين منذ القرون الوسطى. ومن أبرز من وصفها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري (ت 1094م)، الذي دوّن في كتابه المسالك والممالك صورة دقيقة عن ازدهارها الاقتصادي والعمراني والطبيعي خلال القرن الحادي عشر الميلادي.
واحة الفواكه ومنبت الحرير
يكشف وصف البكري عن مدينة بلغت درجة كبيرة من الازدهار الاقتصادي والعمراني، فقد كانت قابس واحة زراعية استثنائية تمون القيروان بالغلال والثمار. ويبرز النص أيضاً أهمية صناعة الحرير، إذ كانت قابس المنطقة الوحيدة في إفريقية التي تنتج الحرير بكميات معتبرة، اعتماداً على انتشار أشجار التوت، وهو ما يدل على نشاط صناعي ذي قيمة اقتصادية عالية إلى جانب الفلاحة.
عين خرارة ونظام الري
يؤكد حديث البكري عن قصب السكر أن قابس احتضنت زراعات نادرة تحتاج إلى وفرة المياه واعتدال المناخ، وهو ما يعكس تطور منظومة الري المعتمدة على العيون الطبيعية، وفي مقدمتها عين خرارة التي كانت تمد الواحة بالمياه قبل أن تنتهي إلى البحر.
الحصن والخندق والمرفأ
يتجلى عمران المدينة في وجود الحصن، والأرباض، والخندق الدفاعي، والفنادق، والحمامات، وهي عناصر تدل على مدينة منظمة ذات أهمية تجارية وعسكرية. كما جعل المرفأ البحري من قابس محطة رئيسية على طرق الملاحة بين مصر وبلاد المغرب، وهو ما يفسر حركة السفن والتجار الوافدين إليها.
ملتقى البحر والواحة والصحراء
يحمل المثل الذي أورده البكري دلالة جغرافية عميقة؛ فاجتماع السمك الطازج القادم من البحر، ولحم الغزال القادم من الصحراء، والرطب القادم من الواحة في مائدة واحدة، يعكس الموقع الفريد لقابس عند ملتقى ثلاثة مجالات طبيعية، وقد منحها هذا الموقع تنوعاً اقتصادياً وغذائياً قلّ نظيره في مدن المغرب الإسلامي.
المنارة في وجدان المسافرين
يكشف البيت الشعري الذي يتغنى بمنارة قابس عن مكانة المدينة في وجدان المسافرين، إذ كانت منارتها علامة يهتدي بها القادمون بحراً، ورمزاً لاستقبالهم بعد رحلة طويلة عبر الساحل.
خاتمة
إن وصف أبي عبيد البكري لا يمثل مجرد شهادة جغرافية، بل يعد وثيقة تاريخية تؤكد أن قابس كانت واحدة من أكثر مدن إفريقية ازدهاراً في العصر الوسيط، تجمع بين الزراعة المتقدمة، والصناعة، والتجارة البحرية، والتحصين العسكري، وتستفيد من نظام مائي متقن حافظ على ازدهار واحتها عبر قرون طويلة.
المصدر: أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، المجلد الثاني، الطريق من مدينة طرابلس إلى قابس.