المطوية... أرض النخيل والعيون
حكاية واحة توازنت فيها الطبيعة مع خبرة الإنسان في إدارة الماء
من الجفاف إلى الخضرة
على امتداد الساحل الشمالي لخليج قابس، نشأت المطوية كواحدة من أعرق الواحات البحرية في تونس، حيث استطاع الإنسان، منذ قرون، أن يحول بيئة يغلب عليها الجفاف إلى فضاء أخضر ينبض بالحياة. ولم يكن هذا الإنجاز ثمرة وفرة المياه، بل نتيجة خبرة طويلة في استغلالها وتنظيمها، حتى أصبحت الواحة نموذجاً للتوازن بين الطبيعة والإنسان.
من توماس شو إلى فيكتور غيران
عرفت المطوية منذ القدم بوفرة نخيلها وخصوبة بساتينها، وقد أشار إليها عدد من الرحالة الأوروبيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فوصفها الرحالة الإنجليزي توماس شو سنة 1727 بأنها واحة عامرة بالنخيل، ثم أكد غرينفيل تمبل سنة 1835 ما تتمتع به من ازدهار زراعي، قبل أن يقدم فيكتور غيران سنة 1862 وصفاً دقيقاً لبساتينها ونظامها المائي.
ثلاثون ألف نخلة ونظام مائي متكامل
مع مطلع القرن العشرين، كانت الواحة تضم ما يقارب ثلاثين ألف نخلة، إلى جانب أشجار الزيتون والرمان والتين والمشمش وغيرها من الأشجار المثمرة. وقد قامت هذه الثروة النباتية على شبكة من العيون الطبيعية التي غذّت السواقي، وجعلت من الماء محوراً أساسياً للحياة اليومية والعمل الزراعي.
الماء.. نظام حقوق وأدوار
لم تكن إدارة المياه مسألة تقنية فحسب، بل كانت جزءاً من التنظيم الاجتماعي للواحة. فقد توارث الأهالي نظاماً دقيقاً لتوزيع مياه الري، يقوم على احترام الأدوار والحقوق، مما ساعد على استقرار النشاط الفلاحي وحسن استغلال الموارد المتاحة عبر أجيال متعاقبة.
تبطين السواقي بالإسمنت
مع تراجع تدفق بعض العيون الطبيعية خلال فترة الحماية الفرنسية، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الواحة تمثلت في حفر الآبار الارتوازية، كما شهدت سنة 1922 انطلاق أشغال تبطين عدد من السواقي بالإسمنت للحد من ضياع المياه، ثم توسعت هذه الأشغال خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
الرجل والأرض.. المرأة وحرفها
كانت الأسرة المطوية تمثل قلب هذه المنظومة. فالرجل ارتبط عمله بالأرض، يقضي يومه بين النخيل والسواقي، يتابع الغراسة والتقليم والسقي وجني المحاصيل، بينما كانت المرأة تشكل عماد البيت وحافظة جانب مهم من التراث الاقتصادي والاجتماعي.
وقد عُرفت المرأة المطوية منذ القدم بإتقانها للصناعات التقليدية، فأبدعت في صناعة الحصر والقفاف والأوعية من نبات الصمار المنتشر في السباخ المجاورة، كما اشتهرت بحياكة العجار والأغطية والبرانس الصوفية على المنوال التقليدي، في فن متوارث يعكس ذوقها ودقة صنعها.
خاتمة
لم تكن المطوية مجرد واحة للنخيل والعيون، بل فضاءً حضارياً تشكل عبر قرون من العمل الدؤوب، وحسن إدارة المياه، وتكامل أدوار أفراد المجتمع. ولذلك بقيت إلى اليوم إحدى أبرز الواحات التاريخية في الجنوب التونسي، شاهدة على قدرة الإنسان على بناء حضارة مستدامة في بيئة صعبة، وصونها جيلاً بعد جيل.