أصل تسمية المطوية حسب أسطورة ذي القرنين: بين النقد والترجيح
حين يفصل السحر البحر عن اليابسة: قراءة في أسطورة شعبية تربط اسم المطوية بذي القرنين، ومحاولة موازنة بين حدود الأسطورة وإمكان وجود نواة واقعية خلفها.
تروي أسطورة شعبية جُمعت من قرية تلمين بمنطقة النفزاوة أن ذا القرنين مرّ في طريقه من الشرق ببلدة المطوية القريبة من قابس، فوجد بحيرة داخلية متصلة بالبحر الأبيض المتوسط. وبقوة سحره أو «حكمته»، فصل تلك البحيرة عن البحر بردم جزء من الوادي، فتحوّلت إلى سبخة، ومن فعل «الطي» أو «الفصل» هذا، حسب الرواية، اشتُقّ اسم المطوية.
وقد نُقلت هذه الأسطورة إلى المدوّنة الاستعمارية الفرنسية سنة 1886 في كتاب «Expédition française en Tunisie» للمؤلف موريس بوا، نقلاً عن الباحث تيسو. وفيما يلي النص الأصلي وترجمته، ثم قراءة نقدية توازن بين حدود الأسطورة وإمكان وجود جذر واقعي خلفها.
النص المصدري (1886)
« Les traditions locales, dit M. Tissot, en conservent encore le souvenir. D'après une légende recueillie à Telemin, dans le Nefzaoua, Skander Dhou'l Kourneïn, venu d'Orient jusqu'à Metouïa, une des oasis des environs de Gabès, aurait séparé cette mer intérieure de la Méditerranée, en créant par ses enchantements (bel hakma) l'isthme de Gabès, et l'aurait transformée ainsi en simple sebkha. »
«تحتفظ التقاليد المحلية، كما يقول السيد تيسو، بذكرى ذلك. فبحسب رواية جُمعت من تلمين بالنفزاوة، يكون الإسكندر ذو القرنين، القادم من الشرق حتى المطوية، إحدى واحات محيط قابس، قد فصل هذا البحر الداخلي عن المتوسط بسحره (بالحكمة)، فأنشأ برزخ قابس، وحوّل تلك البحيرة إلى مجرد سبخة.»
بين كفّة النقد وكفّة الترجيح
قراءة موزونة لا تحسم الجدل، بل تضع عناصر الحكم أمام القارئكفّة النقد: حدود الأسطورة
01 — استعارة من القصة القرآنية
تحمل الرواية ملامح واضحة من قصة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف، وربط شخصية دينية/رمزية بمعلم جغرافي محلي نمط متكرر في الحكايات الشعبية لإضفاء القداسة على المكان.
هذا النمط من «الأسطرة الدينية للمكان» شائع في عموم المغرب العربي، حيث تُنسب معالم طبيعية غامضة المنشأ إلى أنبياء أو أولياء أو شخصيات قرآنية لإضفاء معنى مقدّس عليها.
02 — غياب السند التاريخي لمرور الإسكندر بالمنطقة
لا تذكر المصادر التاريخية الموثوقة عن حملات الإسكندر المقدوني أي توغل في شمال إفريقيا غرب مصر، فضلاً عن الوصول إلى قابس أو جنوب تونس.
وقد يكون «ذو القرنين» في الرواية الشعبية اسماً رمزياً جامعاً لبطل أسطوري لا يشير بالضرورة إلى الإسكندر التاريخي، بل إلى الشخصية القرآنية المستقلة عن السياق اليوناني.
03 — الاشتقاق اللغوي غير محسوم علمياً
ربط اسم «المطوية» بجذر «طوى/متوى» بمعنى الفصل أو الإغلاق يبقى اشتقاقاً شعبياً (Étymologie populaire)، وليس نتيجة دراسة لغوية موثقة لأصل التسمية.
من المألوف أن تُنسج أساطير تفسيرية لاحقاً حول اسم مكان قائم أصلاً، أي أن الاسم قد يكون أقدم من القصة التي تفسّره.
04 — عنصر السحر «بالحكمة» علامة على الطابع الأسطوري
توظيف قوة خارقة لتفسير تحوّل بحيرة إلى سبخة نمط معروف في الأساطير التأسيسية التي تفسّر الظواهر الطبيعية بفعل بطل خارق، بدل تفسيرها بعوامل طبيعية أو بشرية عادية.
هذا لا يُسقط القيمة الرمزية للحكاية، لكنه يضعها في خانة الأدب الشفوي التفسيري (Etiological myth) لا في خانة التوثيق التاريخي.
05 — تأخر التدوين عن الحدث المفترض بقرون طويلة
أقدم تدوين معروف للأسطورة لا يتجاوز أواخر القرن التاسع عشر (1886)، عبر مستكشف فرنسي نقلها عن رواية شفوية محلية، أي بعد فارق زمني هائل عن أي حدث مفترض.
هذا الفارق الزمني يفتح المجال أمام تراكمات وتحويرات شفوية متعددة قبل أن تُثبَّت الرواية كتابياً.
كفّة الترجيح: عناصر تدعم نواة واقعية
01 — الظاهرة الجيولوجية نفسها واقعية وموثقة
تحوّل البحيرات الساحلية إلى سبخات نتيجة تراكم الرواسب أو انغلاق منفذها على البحر ظاهرة جيومورفولوجية معروفة فعلاً في خليج قابس، وسبخات الجنوب التونسي نتجت تاريخياً عن انفصال تدريجي عن البحر.
بمعنى آخر، «المعجزة» التي تصفها الأسطورة تصف نتيجة طبيعية حقيقية وممكنة الحدوث دون الحاجة إلى تدخل خارق، ما يمنح القصة قاعدة واقعية لا يمكن إنكارها.
02 — وجود أثر مادي ملموس إلى اليوم
الصور الميدانية لـ«الواد المالح» و«قنطرة الواد المالح» المرفقة بالمصدر الأصلي تثبت وجود مجرى مائي حقيقي لا يزال حاضراً في جغرافية المطوية وذاكرتها المحلية.
استمرار تسمية الموقع وحضوره الفيزيائي يرجّح أن الأسطورة تعلّقت بمعلم جغرافي حقيقي وليس بمكان متخيَّل بالكامل.
03 — تقليد هندسي مائي قديم موثق في واحات قابس
تشتهر واحات قابس بمنظومة مائية معقدة من السواقي والقنوات يعود بعضها لعصور قديمة، ما يجعل فرضية تدخل بشري تاريخي لتحويل مجرى مائي أمراً معقولاً من الناحية الهندسية.
لو صحّت هذه الفرضية، فإن «ردم الوادي» في الرواية قد يكون ذاكرة مموّهة لعمل هندسي جماعي فعلي، نُسب لاحقاً إلى بطل أسطوري.
04 — نمط أنثروبولوجي معروف: نسبة الإنجاز الجماعي إلى بطل خارق
من المعروف في دراسة الفولكلور أن المجتمعات التقليدية تميل، بمرور الأجيال، إلى نسبة الإنجازات الهندسية الجماعية القديمة (سدود، ردم، قنوات) إلى شخصيات دينية أو أسطورية.
هذا لا يجعل القصة تاريخاً حرفياً، لكنه يفتح احتمالاً جدياً بأن تكون الأسطورة تعبيراً رمزياً عن ذاكرة جماعية لحدث هندسي أو بيئي واقعي.
05 — رمزية ذي القرنين تمنح الحدث المحلي شرعية وفخراً
حضور ذي القرنين في التراث الإسلامي كرمز للعدل والقدرة، يجعل ربط إنجاز جغرافي محلي به وسيلة لإضفاء الفخر والشرعية على المكان وسكانه.
وهذا التوظيف الرمزي لا ينفي بالضرورة وجود نواة واقعية طُمست تحت الطابع الأسطوري، بل يُفسّر لماذا احتفظت الذاكرة الشعبية بالحادثة على هذا الشكل بالذات.
الأثر المادي: الواد المالح اليوم
صور ميدانية للموقع المرتبط بالأسطورة — اضغط للتكبيرخلاصة موزونة، لا حكم نهائي
تبقى أسطورة ذي القرنين في المطوية نموذجاً نموذجياً للأدب الشفوي التفسيري الذي يمزج بين رمزية دينية جامعة وذاكرة جغرافية محلية. فإن كانت تفاصيلها العجائبية أقرب إلى الحكاية منها إلى التاريخ الموثّق، فإن الظاهرة الطبيعية التي تصفها، وهي تحوّل بحيرة إلى سبخة عبر انفصال عن البحر، حقيقة جيولوجية قائمة، ووجود «الواد المالح» إلى اليوم يمنح الحكاية سنداً مكانياً لا يمكن تجاهله. وتبقى الحاجة قائمة إلى بحث جيولوجي وأركيولوجي ميداني لتحديد ما إذا كانت هذه الأسطورة تخفي وراءها ذاكرة عمل هندسي بشري قديم فعلاً حدث في هذا الموقع.