تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الاثنين، 20 يوليو 2026

محمد بن عبد الله جراد


مشاهير و مناضلين

محمد بن عبد الله جراد

المناضل الذي صفع الوزير الأكبر على خدّه
محمد بن عبد الله جراد
محمد بن عبد الله جراد — من رجالات الحركة الوطنية بالمطوية

مقدمة

تزخر مدينة المطوية بالعديد من الشخصيات الوطنية التي ساهمت في مقاومة الاستعمار الفرنسي، غير أن أسماء كثيرة منها بقيت بعيدة عن الأضواء رغم ما قدمته من تضحيات. ويعد المناضل محمد بن عبد الله جراد واحدًا من هؤلاء الرجال الذين ارتبط اسمهم بالعمل الوطني الميداني، واشتهر بجرأته في تنفيذ واحدة من أكثر العمليات الرمزية التي استهدفت رموز السلطة الموالية للاستعمار، عندما صفع الوزير الأكبر مصطفى الكعّاك أمام الباي في جامع صاحب الطابع.

النشأة والانخراط في الحركة الوطنية

ولد محمد بن عبد الله جراد بمدينة المطوية سنة 1922 في عائلة دستورية عُرفت بولائها للحركة الوطنية. ولم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره عندما تولى خطة كاتب عام الشبيبة الدستورية بالمطوية، وهو ما يعكس مكانته المبكرة داخل التنظيم الحزبي.

وشارك في مختلف التحركات الوطنية التي شهدتها المنطقة، وكان من بين المشاركين في أحداث أفريل 1938 التي امتدت إلى المطوية، كما ساهم في المظاهرات التي نظمها الدستوريون احتجاجًا على اعتقال الزعماء الوطنيين ونفيهم إلى الجنوب.

الاعتقالات والعمل القسري

خلال الحرب العالمية الثانية اعتُقل لأول مرة بعد قيامه بقطع خط للهاتف في إطار مقاومة سلطات الاحتلال. وبعد الإفراج عنه انتقل إلى تونس العاصمة، حيث اشتغل صاحب "نصبة" بسوق سيدي البحري، مع مواصلة نشاطه السياسي.

وفي سنة 1942 شارك في المسيرة التي قادها النقابي محمد الغنوشي إلى قصر الباي بالمرسى للمطالبة بإطلاق سراح الوطنيين المعتقلين.

وعاد إلى المطوية سنة 1943، فاعتقل مع عدد من الدستوريين وقضى شهرًا بالسجن، ثم أُجبر على أداء السخرة (الكَرْفي) لمدة سبعة أشهر لفائدة الجيش البريطاني، بتهمة التعاون مع قوات المحور.

وبعد استعادة فرنسا سيطرتها على تونس في ماي 1943 عاد إلى العاصمة، حيث استأنف نشاطه داخل الحزب، فشارك في الاجتماعات السرية، وتوزيع المناشير، وكتابة الشعارات الوطنية على الجدران.

متطوع لنصرة فلسطين

في سنة 1948 انضم محمد جراد إلى المتطوعين التونسيين الراغبين في القتال دفاعًا عن فلسطين، إلا أن المجموعة أُوقفت في مرسى مطروح على الحدود المصرية الليبية، ومنعت من مواصلة رحلتها، فعادت إلى تونس دون الوصول إلى فلسطين.

صفعة هزّت السلطة

كان محمد جراد ينشط في العاصمة تحت إشراف المناضل بلحسين جراد. وفي تلك الفترة قررت قيادة الحزب الحر الدستوري الجديد تأديب الوزير الأكبر مصطفى الكعّاك، الذي اعتبرته الحركة الوطنية رمزًا للتعاون مع سلطات الحماية الفرنسية بعد قبوله رئاسة الحكومة إثر عزل المنصف باي.

تطوع محمد جراد لتنفيذ العملية، واختيرت ليلة ختم القرآن في شهر رمضان بجامع صاحب الطابع، حيث اعتاد الباي وأعضاء حكومته حضور الاحتفال.

ويروي محمد جراد تفاصيل الحادثة بقوله:

"لما وصل الباي أمام الجامع سمعنا هتافًا: يسقط الكعّاك... وصعد الباي ومن معه على المدرج، ومرّ أمام الصف، ولما وصل الوزير الأكبر أمامي توجهت إليه وضربته بكلتا يدي حتى سقط أمام الباي، ثم أصبته على وجهه بيدي اليسرى."

وقد أحدثت العملية صدىً كبيرًا داخل الأوساط الوطنية، وأصبحت من أشهر الأعمال الرمزية التي استهدفت أحد أبرز رموز السلطة الموالية للاستعمار.

المحاكمة

ألقي القبض على محمد جراد، وأحيل إلى المحكمة الفرنسية، حيث تولى الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد صالح بن يوسف الدفاع عنه شخصيًا. كما حوكم معه المناضل صلاح الدين الهواوي الذي هتف داخل الجامع بشعار "يسقط الكعّاك".

وصدر في حقهما حكم بالسجن بصفتهما سجينين سياسيين لمدة قصيرة قبل الإفراج عنهما.

مواصلة النضال

بعد خروجه من السجن واصل محمد جراد نشاطه الوطني، وكان من بين المناضلين الذين كان الحزب يطلق عليهم اسم "أصحاب العضلات المفتولة"، وهم المناضلون المكلفون بحماية الاجتماعات وتأمين المسيرات وتنفيذ المهام التنظيمية التي تكلفهم بها قيادة الحزب.

خاتمة

يمثل محمد بن عبد الله جراد نموذجًا للمناضل الشعبي الذي آمن بقضيته، وتحمل الاعتقال والسخرة والمحاكمة في سبيل استقلال تونس. وتبقى سيرته جزءًا من الذاكرة الوطنية للمطوية، ومن حق الأجيال الجديدة أن تتعرف إلى هذه الشخصيات التي ساهمت في صنع تاريخ البلاد، حتى لا يطويها النسيان.

محمد بن عبد الله جراد