بلحسين جراد (1911 – بداية السبعينيات)
يعد المناضل بلحسين جراد أحد أبرز أبناء المطوية الذين ساهموا في الحركة الوطنية التونسية، وكان من رجالات الحزب الحر الدستوري الجديد ومن العناصر الفاعلة في العمل السري والمقاومة الوطنية خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
ولد بلحسين جراد بمدينة المطوية سنة 1911، وهاجر إلى تونس العاصمة سنة 1923 وهو في الثانية عشرة من عمره، شأنه شأن العديد من أبناء المطوية الذين قصدوا العاصمة بحثًا عن العمل. واستقر مع عائلته بحي ترنجة بمنطقة باب الخضراء.
تلقى تعليمه الأول بكتاب المطوية، ثم نما وعيه الوطني والنقابي في العاصمة، حيث احتك بعدد من رواد الحركة النقابية والوطنية، من بينهم محمد علي الحامي ومحمد الصيد ومحمد الغنوشي. كما واظب على حضور اجتماعات جامعة عموم العملة التونسية، وأقبل على مطالعة الصحف الوطنية، مثل النديم وجحجوح ولسان الشعب والعصر الجديد والصواب، وهو ما أسهم في تكوين شخصيته السياسية والفكرية.
وانخرط مبكرًا في صفوف الحزب الحر الدستوري، وكان من المواظبين على حضور اجتماعاته بنهج غرناطة. وعندما انشق الحبيب بورقيبة ورفاقه عن الحزب سنة 1934، انحاز إلى صفهم، ليصبح حي ترنجة وباب سويقة من أهم معاقل الحزب الحر الدستوري الجديد، فيما كانت شعبة المطاوة من أكثر الشعب نشاطًا داخل العاصمة، وكان بلحسين جراد أحد أبرز عناصرها.
وعقب إيقاف قيادة الحزب في سبتمبر 1934، شارك في تنظيم مظاهرات احتجاجية للمطالبة بإطلاق سراح الزعماء الوطنيين. كما شارك في أحداث 9 أفريل 1938، وقد صرح لاحقًا قائلاً: «لم تكن لي مسؤولية سوى التشويش والعمل الحزبي.»
وبعد موجة الاعتقالات التي أعقبت أحداث 9 أفريل، شكّل عدد من الدستوريين الذين أفلتوا من السجن تنظيمًا سريًا عرف باسم "لجنة المقاومة"، ضم مناضلين من بينهم البشير زرق العيون والهادي السعيدي وعمر بن حميدة. ونفذت المجموعة عدة عمليات تخريبية ضد الإدارة الاستعمارية، من أبرزها إحراق مقر البريد المركزي.
وبعد اكتشاف أمر التنظيم، ألقي القبض على عدد من أعضائه، ثم اعتقل بلحسين جراد يوم 20 أكتوبر 1941 رفقة حسين التريكي وسليمان آغا ومفتاح سعد الله وعمار حمودة. وحكمت عليه المحكمة الاستعمارية بالسجن لمدة اثني عشر عامًا، قبل أن يطلق سراحه مع عدد من رفاقه في 2 ديسمبر 1942.
ومع استعادة قوات الحلفاء لتونس وطرد قوات المحور في ماي 1943، عاد بلحسين جراد إلى النشاط السياسي، وأصبح من المقربين من الزعيم الحبيب بورقيبة. واضطلع بدور بالغ الأهمية في حمايته خلال فترة ملاحقته من قبل السلطات الفرنسية، إذ أشرف على إخفائه في عدد من المنازل الآمنة بحي ترنجة، ولا سيما بمنزل المناضلة أم السعد بنت يحي.
كما تولى تأمين انتقال بورقيبة سرًا إلى دار العنابي بباردو لعقد لقاء مع القنصل الأمريكي دوليتل، وهو اللقاء الذي أسهم في إنهاء التتبعات الفرنسية التي كانت تستهدف الزعيم الوطني.
ومع عودة الحبيب بورقيبة من المشرق سنة 1949، واتجاه قيادة الحزب إلى الإعداد لمرحلة جديدة من المقاومة، تأسست سرًا مجموعة "الإحدى عشر السود"، وهي خلية خاصة عهد إليها بالإعداد للعمل المقاوم ضد الاستعمار الفرنسي. وكان بلحسين جراد أحد أبرز عناصرها، إلى جانب علاّلة العويتي، والشاذلي قلالة، وحسن بن عبد العزيز، والعجيمي بن المبروك، ومحمود زهيوة، والتومي بن أحمد، ومحمد الكواش، وبوبكر باكير، والعيساوي الشكاي.
وخلال المعركة التحريرية في خمسينيات القرن العشرين، اضطلع بلحسين جراد بدور محوري في التنسيق بين خلايا المقاومة وقيادة الحزب الحر الدستوري الجديد، كما ساهم في ربط الصلة بين المقاومين التونسيين وإخوانهم من المقاومين الجزائريين، مما جعله أحد أبرز رجالات العمل السري الوطني.
توفي المناضل بلحسين جراد بمدينة تونس في بداية سبعينيات القرن العشرين، بعد مسيرة حافلة بالنضال والتضحية في سبيل حرية تونس واستقلالها، ليظل اسمه واحدًا من الأسماء التي تستحق أن تستعاد في الذاكرة الوطنية، وأن يُنصفها التاريخ بما قدمته من خدمات جليلة للوطن.