«كون معانا حَمّة الشريف البي»... أغنية من ذاكرة المطوية
في التراث الشعبي للمطوية، بقيت بعض الحكايات والأحداث والأسماء محفوظة لا في الكتب والوثائق، وإنما في الأغنية الشعبية التي تناقلتها الأجيال شفوياً.
ومن بين هذه الأغاني تبرز أغنية «كون معانا حَمّة الشريف البي»، وهي أغنية شعبية ترتبط بالولي الصالح حَمّة الشريف، وتحمل في كلماتها قصة تجمع بين الدعاء، والشكوى، والخصومة، والكرامة، ومكانة الولي في الذاكرة الشعبية.
كلمات الأغنية
جيت قاصدك يا راقد الجبانة
دمعت عيوني على خدودي باكي
خود سلاكي
من دعوة الظلام ومن عادانا
لا عاد فيه بركة ولا مازالت
واللي ينده فيه عقله فالت
والقبة والتابوت غير بيانه
والجير والياجور فيه يبقص
فيه الصبايا والعرايس ترقص
لحم السمين وكسكسي بدهانا
عرضت روحك للدعا يا عية
رانا ولاد أشراف موش شوية
لوما النسب يحوك فيك دعانا
وقدامهم لا ترهبي لا تذلي
باباك حَمّة عالسطح يصلي
يصلي معمل عالكريم مولانا
عندي شهود مسجلة وقديمة
الشر يسعو فيه ديما ديما
والخير ما يجروش في سعيانا
بكلام فاوي لا عيو لا ردو
جابو المساحي والقادم هدو
الفاس والقراس يهد أركانه
لا عاد ليكم كار ولا حرمة
تبو الوعايد كان نتشه ولقمه
هذي كلام الناس قالت فلانة
لا عاد ليكم حبيب ولا صاحب
لومي على البكوش هاك العايب
وسيدي علي الشريف عالي مقامه
جتني أذية اليوم من جيرانك
ناس اللي تنصبح فيك تمسي كذلك
شهرو عليك الحرب نشرو علينا
ومتحزمين عالشر فوت القيمة
من أيام جيقو باعها بتقليمة
علموا عليه الحرب ورشقوا علينا
عندي شهود قدم مع الشتاوي
ريتوش مين نفض وعقله فاوي
شبقله الدعاء من ربنا مولانا
مهنى منامك ليك حرمة كبيرة
أولاد الرقاق قراب عندك جيرة
وساكن السديرة صعيب في عطيانا
يشتا الشتاء ويروحوا ضرارينا
يجيبو القمح والشياه سمينة
نسوان تطيب والقلوب فرحانة
ومن العرش ما سمعوش حتى كلمة
زاد الوكيل هرب يرحم أمه
من العكس ما طاقاش شبح أعيانه
رقوا الشكاية للأعضاء والرايس
قاله فرحك حقه خالص
نزل توجه للوطا نادانا
وهز العتروس فوق الركايب قامة
وجاب إبليس وحظرا قدامة
وليندرا كبرش عند انزولة
تعطيه فضحة بين البلد والماية والرأس
والكرعين في الكنتاية
في نهار جمعة والعباد مجمولة
أغنية تختزن حكاية
لا تبدو هذه الكلمات مجرد أبيات غنائية عابرة، بل تحمل ملامح حكاية شعبية متكاملة. فالمغني يخاطب حَمّة الشريف، ويقصده في مقامه، ويطلب منه الحماية والدعاء، ثم تنتقل الأغنية إلى الحديث عن القبة والتابوت، وعن مكانة الولي وأسرته ونسبه.
وتكشف الكلمات أيضاً عن وجود خصومة حول المقام، وعن محاولة هدمه، وعن تدخل الشهود والوجهاء، ثم انتقال القضية إلى قابس. وهنا تصبح الأغنية مصدراً مهماً لفهم الذاكرة الاجتماعية للمطوية، حتى وإن كان من الضروري التعامل معها باعتبارها رواية شعبية لا وثيقة تاريخية حرفية.
«كون معانا»... ذاكرة لا تزال تغنّي
أهمية هذه الأغنية اليوم أنها تحفظ لنا أسماءً وتفاصيل وتعبيرات من اللهجة الشعبية، وتقدم صورة عن علاقة المجتمع بالأولياء الصالحين، وعن مكانة الضريح داخل الحياة الاجتماعية، وعن حضور النسب والعائلة والوجهاء والشهود في حل النزاعات. والأهم أنها تحفظ صوتاً شعبياً قديماً كان يمكن أن يضيع لولا تناقله من جيل إلى جيل.
لذلك فإن توثيق أغنية «كون معانا حَمّة الشريف البي» ليس توثيقاً لأغنية فقط، بل هو محاولة لحفظ صفحة من التراث الشفوي للمطوية، بكل ما تحمله من معتقدات وحكايات وأسماء وأحداث وصور من الحياة القديمة.
فالأغنية هنا لا تغني عن التاريخ، لكنها تساعدنا على سماع التاريخ من ذاكرة أهله.