المطاوة خارج المطوية… حكاية هجرة وتضامن
ترجع هجرة أهالي المطوية للإقامة في تونس العاصمة إلى قرابة ثلاثة قرون أو أكثر، لتتحول هذه الهجرة مع مرور الزمن إلى واحدة من أبرز صفحات الذاكرة الاجتماعية للمطاوة.
انتشار في أحياء العاصمة
توزّع أبناء المطوية في عدد من أحياء العاصمة، والقائمة تطول بأسماء الأماكن التي احتضنت عائلات المطوية واستقبلت أجيالاً متعاقبة منهم:
نحو الشمال والجنوب الغربي
لم تقتصر حركة الاستقرار على العاصمة، إذ اتجه بعض أبناء المطوية نحو الشمال التونسي، كما وصل انتشارهم إلى منطقة الجريد في الجنوب الغربي، حيث نسجوا بدورهم علاقات اجتماعية واقتصادية حافظت على صلة وثيقة بالقرية الأم:
خمسينات القرن 20: هجرة نحو الخارج
اتخذت الهجرة بعداً جديداً، فتجاوز بعض المطاوة حدود الوطن بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة، لتصبح الهجرة جزءاً من تاريخ المطوية الحديث، وتنتقل من نزوح داخلي إلى هجرة خارجية نحو بلدان مختلفة:
من البيع المتجول إلى التجارة المستقرة
ترتبط أسباب هذا النزوح والهجرة أساساً بضعف مردود الفلاحة السقوية وضيق النشاط التجاري داخل القرية. وفي العاصمة، بدأت الحياة المهنية لبعض المطاوة بأعمال بسيطة، من بينها البيع المتجول بين الشوارع والأحياء، قبل أن يتمكن أصحابها من جمع رأس مال متواضع يسمح لهم بفتح محلات تجارية قارة.
وبفضل المثابرة والعمل، انتقل بعضهم تدريجياً من التجارة المتجولة إلى النشاط التجاري المستقر، بينما اختار آخرون العمل في الموانئ التجارية، وخاصة ميناء حلق الوادي.
الحفاظ على الهوية رغم البعد
لم تكن الهجرة تعني الانفصال عن المطوية. فقد حافظ أبناء القرية، أينما استقروا، على جانب مهم من خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية؛ فبقيت اللهجة والزي والعادات والتقاليد عناصر حاضرة في حياتهم اليومية، وظلت القرية الأم تحتل مكانة خاصة في وجدانهم.
ومن أبرز ما ميّز المطاوة خارج المطوية ظاهرة التعاون والتكتل والتضامن الاجتماعي، إذ شكّل أبناء القرية في العاصمة شبكة اجتماعية غير رسمية تساعد أفرادها بعضهم بعضاً، وتربط بين المهاجرين وأهاليهم في المطوية.
من أجمل صور التضامن نقل الأموال نقداً، والملابس، والمؤن، وغيرها من الحاجيات إلى العائلات في القرية عبر الحافلات المتجهة إلى المطوية، قائم على الثقة والأمانة. وارتبطت ذاكرة النقل بحافلة اشتهرت باسم «كار حشيشة»، نسبة إلى اسم سائق أول حافلة دخلت المطوية، لتصبح مع الزمن جزءاً من الذاكرة الشعبية التي تختزن مرحلة كاملة من التواصل بين المطوية والعاصمة.
إن قصة هجرة أهالي المطوية ليست مجرد انتقال جغرافي من قرية إلى مدينة أو من الوطن إلى الخارج، بل هي قصة بحث عن الرزق مع الحفاظ على الانتماء. فقد غادر المطاوة القرية، لكنهم حملوا معهم لهجتهم وعاداتهم وروابطهم الاجتماعية، وظلت المطوية حاضرة في حياتهم من خلال الزيارات، والأخبار، والأموال، والأمانات، والعلاقات العائلية.
ذاكرة هجرة صنعتها الحاجة، ورسّخها العمل، وحافظ عليها التضامن والأمانة والحنين إلى المطوية.