قابس عند التجاني: جنة الدنيا بين البحر والصحراء سنة 1306–1308م
رحلة عين شاهدة نقلت قابس من الوصف الجغرافي إلى الصورة الجمالية
من نص التجاني
أشرفنا على غابة قابس، ووصلنا إليها ضحى، فرأينا بلدًا قد استوفى المحاسن واستغرقها...
بمنظره الأنضر، وورقه الأخضر، جنة الخلد واستبرقها.
وقد أحدقت غابته من جميع جهاته، وبهذه الغابة من الجواسق، والنخل المتناسق، ما يستوقف الطرف...
وهي مدينة بحرية صحراوية، فإن الصحراء متصلة بها، والبحر على ثلاثة أميال منها.
ويقال إنه لا يجتمع في مائدة صيد لبر وصيد البحر وأصناف التمر إلا في مائدة من يسكن قابس.
شاهد عين لا جامع أخبار
يختلف أبو محمد عبد الله التجاني عن الجغرافيين السابقين؛ لأنه لم يكتف بجمع المعلومات، بل زار قابس بنفسه ووصف ما شاهده. قام برحلته بين 706 و708هـ، أي حوالي 1306–1308م، في عهد الدولة الحفصية، وتُعد رحلته من أهم المصادر المباشرة لفهم المدن والواحات التونسية في بداية القرن الرابع عشر الميلادي.
من الجغرافيا إلى التجربة
هذا النص ينقلنا من الجغرافيا إلى التجربة، فالتجاني يصل إلى قابس ويرى الواحة بعينيه. واختيار كلمة «غابة» مهم جدًا: فهو لا يرى الواحة مجرد مجموعة من أشجار النخيل، وإنما يراها كتكوين نباتي كثيف يغطي المجال المحيط بالمدينة، ولهذا فإن أول ما يستقبل المسافر القادم إلى قابس هو الخضرة.
عالم أخضر وسط الصحراء
يبلغ الإعجاب ذروته عندما يشبه المشهد بالجنة، وهنا يجب فهم العبارة في سياقها الجغرافي: فالتجاني قادم إلى منطقة يغلب عليها الجفاف، ثم يجد أمامه فجأة الماء والظل والنخيل والبساتين والفواكه مجتمعة، فتصبح الواحة في نظره أشبه بعالم أخضر وسط الصحراء.
منظومة فلاحية مدروسة
لا يكتفي التجاني بذكر النخيل، بل يصفه بأنه متناسق، وهذا يكشف عن طبيعة المشهد الزراعي المنظم للواحة. فالنخيل لم يكن مجرد نبات بري، بل جزءًا من منظومة فلاحية مدروسة.
مدينة بحرية صحراوية
هذه العبارة ربما تكون من أدق العبارات التي تلخص الجغرافيا القابسية: فالمدينة تقع بين ثلاثة عوالم هي الواحة والصحراء والبحر. ويحدد التجاني المسافة إلى البحر بحوالي ثلاثة أميال، وهذا يوضح أن قابس لم تكن مدينة داخلية، وإنما كانت مرتبطة مباشرة بالمجال البحري.
المائدة القابسية
تظهر عبقرية الجغرافيا القابسية كذلك في الغذاء، فالتجاني يجمع في وصف واحد صيد البر وصيد البحر والتمر، وهذا يعني أن قابس كانت تستفيد من ثلاث بيئات متجاورة: البيئة الصحراوية والبرية، والبيئة البحرية، والبيئة الزراعية للواحة.
الخلاصة
بعد أكثر من ثلاثة قرون من وصف ابن حوقل، وبعد حوالي قرنين من وصف البكري، يجد التجاني عناصر أساسية ما تزال قائمة: الماء، والنخيل، والبساتين، والبحر، والإنتاج الزراعي. لكن الفرق أن التجاني يحول هذه العناصر إلى صورة جمالية.
ومن هنا أصبحت قابس في أدب الرحلات العربية واحدة من أشهر الواحات التي ارتبط اسمها بفكرة الجنة وسط الصحراء.