قابس عند ياقوت الحموي: الذاكرة الجغرافية للمدينة في القرن الثالث عشر الميلادي
«معجم البلدان» بوصفه وعاءً حفظ الذاكرة الجغرافية العربية لقابس
من نص ياقوت في معجم البلدان
قابس: إن كان عربيًا فهو من أقبست فلانًا علمًا ونارًا أو قبسته فهو قابس...
مدينة بين طرابلس وصفاقس ثم المهدية على ساحل البحر فيها نخل وبساتين...
ذات مياه جارية من أعمال إفريقية...
حافظ الذاكرة الجغرافية
ولد ياقوت الحموي سنة 1179م وتوفي سنة 1229م، وكان من أشهر الجغرافيين واللغويين في العالم الإسلامي. وضع «معجم البلدان»، وهو موسوعة جغرافية ضخمة أصبحت من أهم المصادر العربية لمعرفة المدن والقرى والجبال والأنهار والطرق. وقيمة وصفه لقابس لا تكمن فقط في معلوماته الخاصة، وإنما كذلك في حفظه شهادات جغرافيين أقدم منه.
محطة بين مراكز عمرانية
يبدأ ياقوت بتحديد قابس من خلال علاقتها بالمدن الأخرى: طرابلس، قابس، صفاقس، المهدية. وهذا يضع المدينة ضمن شبكة جغرافية ساحلية واسعة، فهي ليست نقطة معزولة في الجنوب، بل محطة بين مراكز عمرانية وتجارية مهمة.
البحر والنخيل والبساتين
«على ساحل البحر فيها نخل وبساتين» من أكثر العبارات دلالة عند ياقوت، إذ يجمع في وصف واحد البحر والنخيل والبساتين، وهو التركيب الذي سيصبح جوهر الصورة التاريخية لقابس. فالواحة هنا ليست مجرد نخيل، وإنما بساتين متعددة.
المياه الجارية
يكرر ياقوت عنصرًا أساسيًا في أوصاف قابس السابقة: المياه الجارية، وهذا يدل على استمرار أهمية النظام المائي للواحة. فالحديث عن المياه والخضرة يظهر عند جغرافيي القرن العاشر والحادي عشر، ثم يستمر في القرن الثالث عشر، وهذا الاستمرار مهم جدًا للمؤرخ.
ياقوت والبكري
الميزة المنهجية الكبرى في نص ياقوت هي أنه لا يخفي اعتماده على مصادر سابقة، فهو ينقل عن البكري وصف المدينة بالتفصيل. وبذلك يصبح «معجم البلدان» أشبه بوعاء حفظ للذاكرة الجغرافية العربية، ولهذا يجب ألا تُفصل دراسة قابس عند ياقوت عن دراستها عند البكري.
عناصر ثابتة عبر القرون
عند مقارنة البكري في القرن الحادي عشر بياقوت في القرن الثالث عشر، نجد عناصر ثابتة: المياه، والنخيل، والبساتين، والموقع الساحلي، والنشاط الاقتصادي. وهذا الثبات يؤكد أن صورة قابس بوصفها واحة ساحلية ذات مياه جارية لم تكن مجرد انطباع أدبي عابر.
الخلاصة
أهمية ياقوت الحموي في تاريخ قابس تكمن في كونه حافظًا للذاكرة الجغرافية العربية. فمن خلاله استمر وصف قابس القديم في التداول، ووصلت إلينا معلومات تعود في جانب مهم منها إلى جغرافيين عاشوا قبله.
وهكذا أصبحت قابس في القرن الثالث عشر الميلادي مدينة معروفة في الجغرافيا العربية: الموقع الساحلي، النخيل، البساتين، المياه الجارية، والارتباط بالمدن والأسواق.