شكاية أعيان المطوية إلى خير الدين التونسي ضدّ علي بن خليفة النفاتي
قراءة في وثيقة تكشف نزاعًا محليًا في جنوب تونس ومسار الشكوى إلى الصدارة العظمى
من نص الشكاية
في مخاطبة الصدر الأعظم:
الصدر الأعظم، أمير الأمراء، الوزير الأكبر، سيدي خير الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في وصف المظلمة:
أحاط بنا جور كثير لا نهاية له من سي علي بن خليفة الأعراض، وقد مضت علينا خمسة سنين ونحن في أشدّ جور وظلم منه.
في وصف التعدي:
تعدّى علينا في أملاكنا وديار سكناها بغير حق ولا قانون، وإنما ذلك لغرض نفسه وجوره علينا.
في طلب الإنصاف:
قدمنا إليكم جياعًا عراةً من غير زاد ولا عون، طالبين فضلكم العميم، للنظر في نازلتنا، ورفع الجور والبغي عنا.
وقّع الشكاية: احسين بن رمضان المطوي، وفصويلح بن الحاج الشتاوي، ومن معهم.
خير الدين التونسي
توجهت الشكاية إلى خير الدين التونسي، الذي شغل منصب الصدر الأعظم (الوزير الأكبر) في الإيالة التونسية خلال منتصف السبعينيات من القرن التاسع عشر، واشتهر بسعيه إلى الإصلاح الإداري والمالي. وتوظف الرسالة هذه الشهرة صراحة حين تذكر أن أصحابها لجأوا إليه بعدما «ذاع ذكره واشتهر إنصافه للحق»، وهو ما يكشف أن سمعة الصدر الأعظم كانت في حد ذاتها دافعًا لرفع الشكاوى المحلية إلى العاصمة.
أعيان المطوية في مواجهة النفاتي
يمثل الشكاية أعيان المطوية، وعلى رأسهم احسين بن رمضان المطوي وفصويلح بن الحاج الشتاوي ومن معهم، في مواجهة سي علي بن خليفة النفاتي، المنسوب إلى الأعراض. وهذا التقابل بين جماعة محلية منظمة وشخص واحد يملك نفوذًا يوحي بوجود خلل في موازين القوة المحلية دفع الجماعة إلى تجاوز الوسائط المحلية واللجوء مباشرة إلى السلطة المركزية.
التعدي على الأملاك والديار
يحدد النص موضوع النزاع بدقة: تعدٍّ على الأملاك وعلى ديار السكنى «بغير حق ولا قانون». وهذه الصياغة القانونية، رغم بساطتها، تدل على وعي أصحاب الشكاية بضرورة تأطير مطلبهم في إطار الشرعية والقانون لا في إطار الشكوى العاطفية وحدها، وهو ما يعزز مصداقية الشكاية أمام سلطة مركزية تسعى نفسها إلى ضبط الإدارة بالقانون.
خمس سنوات من الجور
يذكر النص أن المظلمة استمرت خمس سنوات كاملة، وهو ما يضع الشكاية، إذا صحّ التأريخ بين 1874 و1876م، في سياق نزاع محلي بدأ في مطلع السبعينيات على الأقل. وهذا التطاول الزمني يشير إلى غياب حلول محلية ناجعة خلال تلك الفترة، ويجعل من اللجوء إلى الصدارة العظمى محطة أخيرة بعد استنفاد وسائل أخرى لم يذكرها النص.
خطاب الاستجداء والشرعية معًا
تجمع الرسالة بين لغة دينية استهلالية تقليدية («الحمد لله، صلى الله على سيدنا محمد»)، وألقاب رسمية مطولة تخاطب الصدر الأعظم بصيغ التبجيل المعتادة في المراسلات الإدارية آنذاك، وبين صور استجداء قوية مثل وصف أصحاب الشكاية أنفسهم بأنهم قدموا «جياعًا عراة من غير زاد ولا عون». وهذا المزج بين الرسمية والاستعطاف سمة مميزة لخطاب الرعية إلى السلطة في تلك الحقبة.
وثيقة عن السلطة المحلية والمركز
تتجاوز أهمية هذه الوثيقة كونها شكوى فردية، إذ تكشف آلية عمل ملموسة للتظلم في الإيالة التونسية أواخر القرن التاسع عشر: جماعة محلية من المطوية ترفع شكواها موقعة بأسماء وجهائها إلى أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، متجاوزة بذلك السلطات المحلية الوسيطة. وهذا يجعل الوثيقة مصدرًا مهمًا لفهم العلاقة بين المطوية والسلطة المركزية في تلك المرحلة، وطبيعة النزاعات حول الأملاك والنفوذ المحلي في جنوب البلاد.
خاتمة
تمثل شكاية أعيان المطوية إلى خير الدين التونسي وثيقة نادرة من الأرشيف المحلي، تسجل بأسماء أصحابها نزاعًا حول الأملاك استمر خمس سنوات، وتوثق اللغة والصيغ التي كانت تُرفع بها التظلمات إلى الصدارة العظمى.
وبذلك تظل هذه الرسالة، رغم إيجازها، شاهدًا على تاريخ المطوية الاجتماعي والإداري في العقد السابع من القرن التاسع عشر.