زفاف «المنزل» في قابس سنة 1897: الفانتازيا وطقوس العرس كما رآها ج. دوباي
موسيقى، موكب، جهاز عروس، وفانتازيا فرسان في قرية «المنزل» بواحات قابس
المصدر
في كتابه «ملاحظات وانطباعات عن تونس» الصادر سنة 1897، ينقل J. Daubeil مشهدًا احتفاليًا من منطقة قابس، بعد أن قادته مصادفة إلى قرية «المنزل» لحضور حفل زفاف، وتكشف روايته عن طقوس الزواج التقليدية ومكانة الفروسية و«الفانتازيا» والموسيقى في الحياة الاجتماعية آنذاك.
مصادفة قادته إلى العرس
بدأت الحكاية عندما كان دوباي يغادر قابس، فالتقى بـ«علي»، أحد صغار سائقي الحمير في السهل، والذي كان يعرفه منذ أن رسم حماره الصغير. دعاه علي إلى حضور زفاف إحدى قريباته في «المنزل»، فقبل الدعوة، دون أن يعرف أن الجزء الأكثر إثارة من الاحتفال كان قد جرى في اليوم السابق.
اختطاف العروس الرمزي
كان ذلك الجزء يتمثل في اختطاف العروس الرمزي؛ إذ تُنقل العروس في هودج يحمله جمل، ضمن موكب مهيب يتجه نحو سيدي بولبابة. وهناك تظهر مجموعة من الفرسان يقودها الزوج المستقبلي، فتشن هجومًا تمثيليًا على موكب المرافقين، قبل أن يتحول إلى عرض واسع من عروض الفانتازيا.
الموكب في شوارع القرية
عندما وصل دوباي إلى «المنزل»، بدا المكان هادئًا، غير أن مجموعات من الرجال بدأت تظهر في الساحة يحملون البنادق ويرتدون أفضل ملابسهم، وبينهم موسيقيان بطبل طويل ومزمار كبير. ومع انطلاق الموسيقى بدأت النوبة، واصطف الرجال خلف الموسيقيين لينطلق الموكب، حتى بلغ عدد المشاركين نحو مئتي رجل.
الحصان والحرير والبخور
من منزل العروس ارتفعت زغاريد النساء، ثم ظهر حصان محمّل بأكوام من الأقمشة والسجاد والحلي والحرير، وعلى ظهره طفل صغير يمسك باللجام، وخلفه سارت نساء محجبات ونساء يحملن المجامر وينشرن رائحة البخور، في عرض جهاز العروس وهدايا الزواج.
استعراض الفروسية والبنادق
انقسم الفرسان الشباب إلى أزواج، ووقف كل فارس في مواجهة الآخر، فبدأت بينهم حركات استعراضية من التقدم والتراجع والدوران والتحدي، ثم رفع البنادق وإلقاؤها في الهواء والتقاطها، قبل أن تنتهي الحركات بإطلاق النار في اللحظة نفسها؛ عرض جماعي للفروسية والمهارة والشجاعة يتكرر أمام دائرة واسعة من المتفرجين.
ساحة تشبه المعركة
انتقل الموكب نحو الوادي، حيث اتخذ الاحتفال حجمًا أكبر، فقد خرجت القرية بأكملها تقريبًا، وامتلأت الحدائق والمنازل بالمتفرجين، بينما ظهر الرجال بملابس يغلب عليها الأحمر والأبيض. وتكاثف إطلاق النار حتى بدا المشهد أشبه بساحة معركة، فيما ارتفعت سحابة من الدخان فوق النهر وقسمت بصريًا نخيل الواحة إلى جزأين.
تحطيم الإناء وإعلان الزفاف
عاد الجميع إلى منزل العروس، وازدحم الفناء والسطح بالحاضرين. تقدمت امرأة عجوز إلى وسط الفناء تحمل إناءً من الفخار الأسمر، رفعته أمام الحاضرين ثم طرحته أرضًا فتحطم إلى قطع صغيرة، وفي اللحظة نفسها دوّت رشقة من البنادق وارتفعت زغاريد النساء، معلنة انتهاء مراسم الزفاف.
الخلاصة
تكشف هذه الرواية التي دوّنها J. Daubeil سنة 1897 عن احتفال زفاف في محيط قابس لم يكن مجرد مناسبة عائلية، بل طقسًا اجتماعيًا واسعًا شاركت فيه القرية بأكملها: الموسيقى، والموكب، وجهاز العروس، والفروسية، والفانتازيا، وإطلاق النار، والزغاريد، والبخور.
وتبرز الرواية أن الفانتازيا كانت عرضًا احتفاليًا للفروسية والسلاح، لا فعلًا حربيًا حقيقيًا، بل طقسًا اجتماعيًا يظهر مهارة الفرسان أمام الجماعة.