الصمار في الماية
حرفة الألياف النباتية التي صنعت الحصر والقفاف
منذ القديم، اشتهر سكان الماية بإتقان صناعة الصمار، وهي حرفة تقليدية تقوم على نسج الألياف النباتية لإنتاج عدد من الأدوات والمصنوعات التي استُعملت في الحياة اليومية، ومن أبرزها الحصر والسجاجيد والقفاف والقياسات.
وقد بلغت هذه الصناعة في الماية درجة عالية من الإتقان والمهارة، شأنها في ذلك شأن العديد من الصناعات التقليدية التي عُرفت بها تونس.
وكانت صناعة الصمار تعتمد أساسًا على مهارة اليد، وتحتاج إلى أدوات بسيطة، غير أن بساطة الأدوات لم تمنع أهل الماية من تطوير هذه الحرفة؛ فقد أدخلوا إليها الألوان والأشكال والزخارف، فأصبحت المصنوعات أكثر تنوعًا وجمالًا.
غير أن هذه الحرفة بدأت تتراجع مع مرور الزمن، وأصبح عدد الذين يمارسونها قليلًا مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي.
كيف دخلت صناعة الصمار إلى الماية؟
تُروى في الماية رواية محلية مفادها أن أول من أدخل صناعة الصمار إلى القرية رجل يُدعى زكري، كان أصيل طرابلس بليبيا، ويُعد الجد الأول لعائلة زكري المعروفة في الماية.
وقد مضى على دخول هذه الصناعة إلى القرية زمن بعيد، حتى أصبحت، مع مرور الأجيال، جزءًا من التراث الحرفي المحلي، وانتقلت مهاراتها من الآباء إلى الأبناء.
وتروي الذاكرة المحلية أن تعلم هذه الحرفة كان يبدأ في سن مبكرة، إذ كان الأب يصطحب ابنه إلى العمل، فيساعده خلال النهار، ثم يواصل الشاب العمل بمفرده في الليل، ويحتفظ بمردود إنتاجه لينفقه على شؤونه الخاصة، فيكون ذلك بمثابة تشجيع له على المثابرة وإتقان الحرفة.
وبمرور الوقت، لم تعد صناعة الصمار مجرد حرفة وافدة إلى القرية، بل أصبحت مهارة محلية متوارثة ارتبطت بحياة أهل الماية، وتطورت على أيديهم حتى غدت جزءًا من هويتهم الحرفية.
إعداد النول
بعد توفير المادة الخام، تأتي مرحلة إعداد النول، وهو الإطار الذي تُشد عليه الألياف وتتم داخله عملية النسج.
ويختلف حجم النول بحسب طول القطعة وعرضها المراد صنعها.
فتوضع العارضة، وهي قطعة خشبية تُستخدم لشد النول وتثبيت بنيته، ثم تُثبت عليها الحبال المصنوعة من القديم أو الحلفاء؛ وهما من الألياف النباتية التي كان أهل المنطقة يستعملونها لصناعة الحبال.
ثم تمرر هذه الحبال عبر الثقوب المتتابعة طوليًا في المشط، وهو أداة تحتوي على فتحات منتظمة تساعد على ترتيب الحبال وضبط المسافات بينها أثناء عملية النسج.
ولكي يحافظ النول على توازنه، تُثبت الحبال من الجهة المقابلة في الشدادات، وهي الأجزاء التي تُستخدم لشد الحبال والمحافظة على توترها.
ثم توضع الرفاع تحت الحبال، وهي قطع تساعد على رفع النول عن الأرض حتى لا تحتك أجزاؤه بها، مما يسهل عملية النسج ويحافظ على انتظامها.
وبذلك يصبح النول جاهزًا لاستقبال المادة النباتية التي ستتحول، بفضل يد الحرفية، إلى حصيرة أو سجادة أو قفة.
إعداد المادة الخام
لا تبدأ عملية النسج مباشرة، إذ لا بد أولًا من جمع المادة التي ستُصنع منها القطعة.
وتتمثل هذه المادة أساسًا في الأشل، وهو المادة النباتية الأساسية التي تُجمع وتُهيأ لتصبح صالحة للنسج وصناعة الحصر والقفاف وغيرها من المصنوعات.
وكان الأشل يُجمع من مناطق مختلفة، من بينها الحامة والراغلة (الهيشة)، وهي نباتات تدخل ضمن المواد النباتية المستعملة في هذه الصناعة، إضافة إلى الزرلي، الذي كان يُجمع بالقرب من كتانة.
وبعد جمع الأشل، يوضع في حوض من الماء لمدة أربع وعشرين ساعة كاملة.
وتساعد هذه العملية على تليين الألياف وجعلها أكثر مرونة، حتى يسهل التعامل معها أثناء النسج.
وبعد إخراجه من الماء، يُترك الأشل ليجف قليلًا، فلا يكون مبللًا بصورة تعيق استعماله، ولا جافًا إلى درجة تجعله صعب النسج.
وهنا تكون المادة الخام قد أصبحت جاهزة للانتقال إلى النول.
طريقة صنع الحصيرة والقفة
تشبه طريقة صناعة الحصيرة والسجادة والقفة وغيرها من مصنوعات الصمار طريقة الحياكة التي تُستعمل في بعض المنسوجات التقليدية، مثل العجار، وهو غطاء نسائي تقليدي، والبطانية.
غير أن الفرق الأساسي يكمن في وضعية آلة النسج؛ إذ يكون النول المستخدم في صناعة الصمار أفقيًا، بينما يكون المنسج المستخدم في صناعة العجار والبطانية عموديًا.
وتبدأ الحرفية بتمرير الأشل بين الحبال المشدودة على النول، بحيث تمرر منه زوجين في كل مرة.
وبعد كل تمريرة، تستعمل المشط، فتجذبه نحوها، فيدفع الألياف إلى مكانها ويضغطها حتى تتماسك مع بعضها البعض.
ثم تعيد العملية من جديد: تمرر الأشل بين الحبال، ثم تجذب المشط لتثبيته، ثم تمرر كمية أخرى من الأشل، وتعيد جذب المشط.
وتتواصل هذه العملية بإيقاع منتظم حتى تبدأ القطعة في التشكل أمام الحرفية شيئًا فشيئًا.
ومع استمرار النسج تتماسك الألياف بعضها ببعض، ويتحول الأشل المتفرق إلى سطح متين يمكن استعماله حصيرة أو سجادة أو قفة، بحسب الشكل الذي يرغب فيه الحريف، أي الزبون الذي طلب القطعة.
وهكذا تعتمد جودة المصنوع في النهاية على مهارة الحرفية في اختيار المادة، وإعدادها، وضبط الحبال، ثم إحكام كل تمريرة بالمشط.
حرفة تقوم على اليد
تميزت صناعة الصمار في الماية ببساطة أدواتها؛ فلا تحتاج إلى آلات معقدة أو تجهيزات حديثة، وإنما تعتمد على النول وبعض الأدوات البسيطة، وعلى خبرة الحرفية التي تعرف كيف تتعامل مع الألياف وتنسجها بطريقة متماسكة.
لكن هذه البساطة لا تعني سهولة العمل.
فإعداد المادة الخام وحده يحتاج إلى وقت وجهد، ثم تأتي عملية تركيب النول وشد الحبال، وبعدها يبدأ النسج الذي يتطلب الصبر والدقة والمحافظة على انتظام التمريرات.
كما أن الحرفية لا تكتفي بصنع قطعة متينة، بل تحرص على أن تكون متناسقة في شكلها وأبعادها، وقد أدخل أهل الماية الألوان والأشكال إلى هذه الصناعة، مما أضفى عليها جانبًا جماليًا إلى جانب وظيفتها العملية.
لماذا ينفر الشباب من صناعة الأشل؟
رغم ما تتميز به صناعة الأشل من قيمة تراثية ومهارة يدوية، فإن عدد المشتغلين بها أخذ في التراجع.
ويرجع ذلك أساسًا إلى ضعف مردودها المادي في الوقت الحاضر؛ فأصبح كثير من شباب الماية يفضلون التوجه إلى الصناعات المعملية والعمل في المصانع، حيث يرون فيها فرصًا أفضل من الناحية الاقتصادية.
وقد أدى ذلك إلى تقلص إنتاج صناعة الأشل، وأصبح أهل هذه الحرفة في الماية قلائل.
ولا يمثل هذا التراجع خسارة لصناعة تقليدية فحسب، بل يهدد أيضًا جزءًا من الذاكرة الحرفية للقرية؛ لأن هذه الصناعة تحمل معها معرفة متوارثة بطريقة اختيار النباتات وتجفيفها وإعدادها وتركيب النول ونسج الألياف.
نحو المحافظة على الحرفة
إن المحافظة على صناعة الصمار لا يمكن أن تتحقق بمجرد الدعوة إلى التمسك بالماضي، وإنما تحتاج إلى جعل هذه الحرفة قادرة على الاستمرار في الحاضر.
ومن أهم الوسائل المقترحة لذلك إنشاء مركز لتدريب الشباب على إتقان هذه الصناعة، حتى يتعلموا مراحل إعداد المادة الخام، وطريقة نصب النول، وأساليب النسج، وكيفية إدخال الألوان والأشكال بصورة تحافظ على أصالة الصناعة وتمنح منتجاتها قيمة جديدة.
كما يمكن إدراج صناعة الصمار ضمن الأشغال اليدوية في المدرسة، حتى يتعرف إليها الأطفال والناشئة منذ الصغر، ويكتشفوا أنها ليست مجرد حرفة قديمة، وإنما جزء من تراث منطقتهم.
وقد يؤدي هذا التعرف المبكر إلى إعادة الاهتمام بها، وربما يدفع بعض الشباب إلى تعلمها وممارستها، بل وإلى إنشاء أنوال في منازلهم.
كما يمكن تطوير منتجات الصمار لتلائم حاجات الحياة المعاصرة، مع المحافظة على أساليبها الأصلية، بحيث تتحول من صناعة مهددة بالاندثار إلى حرفة تراثية قابلة للتجدد.
وهكذا تبقى صناعة الصمار في الماية حكاية بدأت منذ زمن بعيد، حين تعلم أهل القرية كيف يحولون الألياف النباتية البسيطة إلى حصر وقفاف ومصنوعات نافعة.
إنها حرفة لا تعتمد على الآلة بقدر اعتمادها على يد الإنسان وخبرته وصبره؛ حرفة تنتقل فيها المعرفة من جيل إلى جيل، وتختزن في كل قطعة مصنوعة شيئًا من حياة أهل الماية وذاكرتهم.
وإذا أُعيد إحياء هذه الحرفة وتدريب جيل جديد عليها، فإن النول الذي كاد يصمت يمكن أن يعود إلى الحركة من جديد، وتعود معه أصوات الأيدي وهي تنسج الأشل، خيطًا بعد خيط، لتواصل حكاية تراث الماية.