تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الأحد، 16 أغسطس 2026

نسيج الصمار بالمطوية الماية

معرفة بيئية وحرفة يدوية متوارثة

نسيج الصمار بالمطوية الماية: من العرف البيئي إلى التراث اللامادي

حرفة تقليدية تختزن معرفة الإنسان بالمكان، وعلاقته بالنبات والماء والأرض في واحة المطوية

حرفة نسيج الصمار بقرية الماية بالمطوية
نسيج الصمار بقرية الماية — حرفة متوارثة من نبات السباخ إلى الفرش والحصر

تمثّل حرفة نسيج الصمار في المطوية، وتحديداً في قرية الماية، واحدة من أصدق صور التكيّف الإنساني مع البيئة الواحية والسباخ الساحلية والقارية في خليج قابس. فهي لا تقتصر على كونها حرفة يدوية تقليدية، بل تمثّل منظومة متكاملة من المعارف والعادات والممارسات المرتبطة بالبيئة المحلية، حافظت عليها أجيال متعاقبة ونقلتها جيلاً بعد جيل.

نبات الصمار وموسم الجمع

وقد ارتبطت هذه الحرفة منذ القدم بنبات الصمار (Juncus)، الذي ينمو في المناطق الرطبة والسباخ المجاورة. وكان أهالي المطوية، ولا سيما سكان قرية الماية، ينظمون رحلات موسمية لجمع الصمار من مناطق مختلفة، تمتد من السباخ القريبة إلى مناطق أكثر بعداً، مثل السباخ القارية وشط الجريد، بل وتصل في بعض الحالات إلى الأراضي الجزائرية بموجب تراخيص رسمية.

أعراف الجمع والاستدامة

ولم يكن جمع الصمار يتم بصورة عشوائية، بل كان يخضع لممارسات وأعراف محلية تراعي استمرارية النبات وتجدد موارده. فكان يتم القطع بعناية وتُتجنب إتلاف الجذور، بما يسمح للنبات بإعادة النمو والمحافظة على الغطاء النباتي الطبيعي. وتكشف هذه الممارسة عن معرفة محلية دقيقة بخصائص البيئة ومواردها، وعن علاقة متوازنة بين الإنسان والطبيعة.

من النبات إلى النسيج

بعد جمعه، يمر الصمار بمراحل تقليدية تبدأ بالتنقيع والمعالجة، ثم التجفيف تحت أشعة الشمس، قبل أن يصبح صالحاً للنسج. ويتم ذلك باستخدام أنوال وأدوات خشبية تقليدية حافظت على شكلها وطريقة استعمالها، وظلت الحرفة قائمة على المهارة اليدوية والخبرة المتوارثة دون اعتماد جوهري على الميكنة الحديثة.

الصمار في الحياة اليومية

ولم يكن الصمار مجرد مادة للنسيج، بل كان جزءاً من الحياة اليومية والعمرانية والاجتماعية في المطوية. فقد استُخدم في صناعة الفرش والحصر وغيرها من المستلزمات المرتبطة بالمساجد والزوايا والمنازل، وأصبح بذلك عنصراً من عناصر الذاكرة المادية للمنطقة، ومرتبطاً بعادات أهلها وأنماط عيشهم.

من أبرز مقومات هذه الحرفة (انقر على كل عنصر):

  • معرفة بيئية دقيقة
  • مهارة يدوية متوارثة
  • استعمال مستدام للموارد
  • ذاكرة جماعية
  • تراث ثقافي لامادي
  • مقاومة التحولات الحديثة

إن نسيج الصمار في الماية ليس مجرد منتج تقليدي، بل هو ذاكرة حيّة للمجتمع المحلي؛ تختزن فيه معرفة الإنسان بالمكان، وعلاقته بالنبات والماء والأرض، وأساليب العمل التي تطورت عبر أجيال طويلة دون أن تفقد جوهرها.

نحو إحياء الحرفة

ومن هذا المنظور، فإن الحفاظ على هذه الحرفة لا يعني المحافظة على تقنية يدوية فحسب، وإنما يعني صون جزء من الذاكرة الثقافية والاجتماعية والبيئية للمطوية، وحماية منظومة من المعارف المحلية التي تشكلت في علاقة مباشرة بين الإنسان وبيئته.

إن إعادة الاعتبار إلى نسيج الصمار في قرية الماية يمكن أن تساهم في إحياء الحرفة ودعم حرفييها، وتشجيع الأجيال الشابة على تعلمها، وربطها بمسارات التنمية المحلية والسياحة الثقافية والبيئية. كما يمكن أن تجعل منها نموذجاً للحرف التقليدية التي تجمع بين الهوية الثقافية والاستعمال المستدام للموارد الطبيعية.

نسيج الصمار بالمطوية الماية