ڨابس
واحة تحت المجهر الاستعماري
حين وصف عالم آثار فرنسي واحة قابس، وتاكابي الرومانية، وحامية الجيش والكنيسة والمدرسة — كلها في نص واحد
النص الأصلي — رحلة غيران، بحرفيّته
ترجمة كاملة للمقطع الذي دوّنه فيكتور غيران في كتابه «فرنسا الكاثوليكية»، دون حذف أو تلخيص.
لقد أطلقتُ للتو اسم "مدينة" على ڨابس. ولكنها في الواقع هي مجرد تجمع لعدة قرى متميزة، إحداها تحمل بشكل خاص اسم ڨابس، والأخرى تُعرف بأسماء جارة، ومنزل، وشنني. وتضم هذه القرى جميعها، كما يُقال، أربعة عشر ألف نسمة، وتشكل واحة واحدة وفريدة يسقيها "وادي ڨابس".
إن اسم "كابس"، وتخفيفه ڨابس، هو تحريف لاسم مدينة "تاكابي، التي كانت قائمة قديماً في هذا المكان والمذكورة في "خريطة بويتينغر" كمنشأة/مستعمرة. وتحت حكم القرطاجيين وخلال القرون الأولى للسيطرة الرومانية، كانت هذه المدينة جزءاً من إقليم بيزاثينا؛ وفي وقت لاحق أُلحقت بإقليم طرابلس أو بولاية سوبفينتانا. وفي العصر المسيحي، على سبيل المثال، كان أسقف "تاكابيتانوس" مُدرجاً ضمن أساقفة إقليم طرابلس.
وعندما استولى العرب على هذه المنطقة، عدّلوا قليلاً التسمية الأصلية والأمازيغية لمدينة "تاكابي"، وحُذف حرفا التعريف "تا"، فسموها "كابس" ثم ڨابس.
أول قرية ينزل المرء فيها هي تحديداً قرية ڨابس (باب بحر). وهي تتكون من شارع طويل تحيط به المنازل والمتاجر والمقاهي، ويسكنها مالطيون وإيطاليون وثوار فرنسيون. وعلى مقربة من هناك تُقام ثكنات معسكر ومستشفى عسكري. وتُستخدم كنيسة هذا المستشفى في الوقت نفسه كأبرشية مؤقتة للعدد القليل من السكان الكاثوليك في ڨابس. ويرجع الفضل في وجودها بدرجة كبيرة إلى حماسة الأب هودار، مرشدها الروحي، الذي بناها بمساعدة ضباط وجنود الحامية. وهذا رجل الدين، الذي بدأتُ بزيارته، تفضلَ بعد أن أراني كنيسته بمرافقتي بنفسه إلى المدرسة.
تحمل هذه المدرسة اسم "مدرسة كامبون"، نسبة إلى اسم الوزير المقيم لفرنسا في تونس، الذي أسسها في 15 مارس الماضي. وهي تحت إشراف معلم فرنسي جاء من الجزائر، يدرس لثلاثة وستين طفلاً صغيراً من الأوروبيين والمسلمين واليهود. وهناك أيضاً سبع وعشرون فتاة صغيرة في قاعة مجاورة، تُعلمهن أخته. ولعدة مرات في الأسبوع، يأتي طالب مسلم لتعليم القرآن لأبناء ديانته، ويأتي حاخام لتعليم العبرية وتعاليم الشريعة اليهودية لليهود. أما الفتيات الصغيرات، فجميعهن أوروبيات: إيطاليات، ومالطيات، وفرنسيات.
ومن هناك، وبرفقة الأب هودار دائماً، توجهتُ إلى جارة لأحيي العقيد "دي لاروك"، الذي يقطن هناك ويفوض بالتالي القيادة العسكرية للفرقة العسكرية في ڨابس الممتدة على مساحة شاسعة من البلاد. وفي ڨابس نفسها، يوجد نحو ألفي رجل من القوات المرابطة: مشاة، وفرسان، ومدفعية.
وأثناء مسيري، أعدتُ رؤية تلك البساتين الغنية ببالغ السرور التي كنتُ قد أعجبتُ بها كثيراً عام 1860، والتي تدين بجمالها بل وبوجودها لـ "وادي ڨابس". ينبع هذا الوادي على بعد سبعة كيلومترات من المنزل، في وادٍ ساحر. ومن هناك وحتى البحر، حيث ينتهي، يخصب المنطقة التي يلتف فيها بشكل رائع عبر مسار طوله اثنا عشر كيلومتراً. والفرعان اللذان ينقسم إليهما في البداية، قبل أن يتدفقا في مجرى واحد، يزودان بالماء عدة قنوات صغيرة تتفرع هي الأخرى إلى جداول لا حصر لها تتشعب في جميع الاتجاهات وسط مزروعات الواحة.
وتتكون هذه الواحة الأخيرة من سلسلة متصلة تقريباً من الحدائق التابعة لعدة قرى، والتي تفصل بينها أسوار من الصبار أو جدران صغيرة من الطين الدك؛ وهي مقسمة بدورها إلى عدد كبير من الأحواض التي تجري فيها المياه المحيية في أوقات معينة وبموجب اتفاقيات متقابلة. وهذه الأحواض مزروعة بالقمح والشعير والخضروات المختلفة. وحولها تنمو أشجار اللوز، والتين، والليمون، والرمان، والبرتقال، وأعلى بكثير من هذه الأشجار المزروعة بشكل غير منتظم، ترتفع أشجار النخيل الباسقة ذات الجذوع الرشيقة لتنشر في الهواء خصلاتها الخضراء. كما تعُد الكروم واحدة من أجمل زينات هذه الحدائق الساحرة؛ حيث تلتف جذوعها القوية وتتسلق كاللبلاب حول جذوع النخيل، وعندما تصل إلى ارتفاع معين، تمتد على شكل إكليل من شجرة إلى أخرى.
ولما وصلتُ إلى جارة، لم أجد للأسف العقيد "دي لاروك"؛ فقد كان في المعسكر، حيث التقيتُ به أخيراً وسط كبار ضباطه. وما إن ذكرتُ له اسمي حتى أظهر لي أحرّ الترحيب وأكثره ودية، وكأنه يرحب برفيق سفر قديم. فقد قال لي إنه بفضل مؤلفي عن إيالة تونس، تتبّع خطواتي وقرأ العديد من مراحل رحلتي؛ ثم عرض عليّ بدوره أن يكون دليلي في موقع "تاكابي" القديمة. وقبلتُ عرضه اللطيف بكل امتنان، إذ لم أكن في الماضي سوى أنني ألقيت نظرة خاطفة أثناء مروري على الموقع الذي كانت تحتله تلك المدينة، في حين أنه هو نفسه، لكونه يعيش بين أطلالها، يزورها باستمرار ويعرفها تمام المعرفة.
كانت هذه المدينة تغطي عدة تلال صغيرة تعلو قليلاً عن السهل والبحر. ويوجد نبع غزير يسميه العرب "عين سلام"، والذي يُعتبر من أفضل العيون في المنطقة المجاورة، ويقع بالقرب مما كان يُفترض أنه الأكروبوليس الخاص بها. أمّا "تاكابي" نفسها فقد دُمّرت تماماً؛ وحلت حقول الشعير والقمح محل شوارعها ومنازلها وآثارها. واستُخرج من هناك كمية هائلة من المواد من جميع الأنواع، وعدداً كبيراً جداً من الأعمدة التي استخدمت في بناء وتزيين منازل ومساجد سيدي بولبابة، وجارة، والمنزل، وشنني، وڨابس. وحتى اليوم، كلما حُفرت الأرض ولو بقليل، يُستخرج منها كما من مقلع حجارة حجارةٌ منحوتة بأكملها تعود لمبانٍ من أزمنة مختلفة. وفي بعض الأحيان يكون المرء محظوظاً بما يكفي لاكتشاف قطع جميلة من الموزاييك.
كان لـ "تاكابي" ميناءان: ميناء داخلي أو "كوثون"، حُفر بأيدٍ بشرية وهو اليوم محفور ومملوء تماماً ومخصص للزراعة؛ وميناء خارجي مخصص للملاحة التجارية ويتصل بالميناء السابق عن طريق قناة أصبحت هي الأخرى ردمية بالرمال.
وبينما كنتُ أستكشف بشغف هذه الأطلال برفقته العالمة واللطيفة، أو بالأحرى موقع هذه المدينة المحفوفة بالفناء، كانت الساعات تمر سراعاً، وكان عليّ الإسراع بالعودة بأسرع ما يمكن إلى السفينة البخارية التي كانت تنتظرني في عرض البحر، والتي كان صفيرها المدوي يعلن عن اقتراب المغادرة.
وقد تكرم العقيد "دي لاروك" بمرافقتي في قارب إلى هناك، ولم أفارقه إلا بأسف شديد على هذا الضابط الكبير الذي كان على قدر عالٍ من العلم واللطف، والذي قدم لي نموذجاً للنبل والشهامة والشجاعة والعلم مجتمعة. وبمجرد عودتي إلى فرنسا، علمتُ ببالغ السرور أنه تمت ترقيته للتو إلى رتبة جنرال لواء. ولا شك أن هذا التعيين قد اُحتفل به كعيد عائلي حقيقي من قبل كافة الفرقة العسكرية في ڨابس، التي يُعتبر قائدها المحترم وأبوها المحبوب بحق.
تحليل النص: واحة تحت المجهر الاستعماري
في ربيع أو صيف عام 1885 تقريباً، نزل عالم الآثار والمستكشف الفرنسي فيكتور غيران على ساحل قابس. لم يكن زائراً عابراً؛ كان كاتباً كاثوليكياً ملتزماً، سبق له أن جاب تونس عام 1860، ويعود الآن ليصف «فرنسا الكاثوليكية» في مستعمراتها الجديدة. النص الذي بين أيدينا ليس مجرد وصف جغرافي، بل وثيقة حية تكشف كيف رأى الأوروبي المستعمِر المكان والناس والآثار في لحظة حاسمة من تاريخ شمال أفريقيا.
يبدأ غيران بملاحظة بسيطة لكنها عميقة: «لقد أطلقتُ للتو اسم "مدينة" على ڨابس. ولكنها في الواقع هي مجرد تجمع لعدة قرى». هذه الجملة تختصر جوهر المكان. قابس ليست مدينة بالمعنى الأوروبي، بل شبكة واحية من قرى متجاورة (باب بحر، جارة، منزل، شنني) تعيش على نهر صغير يُدعى وادي قابس. أربعة عشر ألف نسمة يتقاسمون واحة واحدة، نظام ري قديم قائم على «اتفاقيات متقابلة»، وأشجار نخيل ترتفع كأعمدة خضراء فوق حقول القمح واللوز والكروم المتسلقة. هذا ليس منظراً رومانسياً فحسب؛ إنه اقتصاد بقاء دقيق يعتمد على توزيع المياه بدقة متناهية في بيئة صحراوية قاسية.
ثم ينتقل غيران إلى التاريخ. الاسم «ڨابس» تحريف عربي-أمازيغي لـ«تاكابي» القديمة، المدينة المذكورة في خريطة بويتينغر الرومانية. كانت مستعمرة قرطاجية ثم رومانية، جزءاً من بيزاثينا ثم طرابلس. في العصر المسيحي كان لها أسقف. بعد الفتح العربي حُذف حرفا «تا» وبقي الاسم. هذا السرد ليس بريئاً. غيران يربط المكان بسلسلة حضارية كلاسيكية (قرطاج–روما–المسيحية)، ثم يمرر على الفترة الإسلامية بسرعة، ليصل إلى الحاضر الفرنسي. وكأن التاريخ الحقيقي يبدأ من جديد مع وصول الجيش والكهنة.
الحاضر الذي يصفه غيران استعماري بامتياز. في «باب بحر» شارع طويل يسكنه مالطيون وإيطاليون و«ثوار فرنسيون». ثكنات، مستشفى عسكري، كنيسة مؤقتة بناها الأب هودار بمساعدة الجنود. ومدرسة «كامبون» التي أسسها المقيم العام بول كامبون قبل أشهر قليلة فقط. فيها 63 طفلاً مختلطين (أوروبيون ومسلمون ويهود) و27 فتاة أوروبية فقط. يأتي معلم قرآن وحاخام في أيام محددة. المشهد يبدو «تسامحاً»، لكنه في الواقع نموذج كلاسيكي للسياسة الاستعمارية الفرنسية: مدرسة رسمية تحمل اسم الحاكم، معلم فرنسي قادم من الجزائر، ومساحة محدودة للتعليم الديني المحلي تحت السيطرة.
الأكثر إثارة هو لقاء غيران بالعقيد دي لاروك. الضابط الذي يعرف كتابات غيران السابقة ويعرض عليه أن يكون دليله في أطلال تاكابي. هنا يلتقي عالم الآثار بالجندي المثقف. يتجولان بين التلال، ينبوع «عين سلام»، الميناء الداخلي المحفور الذي تحول إلى حقول، والأعمدة التي نُقلت لبناء المساجد والمنازل. كلما حفر أحدهم الأرض خرجت حجارة منحوتة أو قطع فسيفساء. المدينة القديمة أصبحت مقلعاً. هذا ليس اكتشافاً أثرياً بريئاً؛ إنه إعادة استخدام استعماري للماضي. الرومان بنوا، والعرب أخذوا الحجارة، والفرنسيون الآن يرسمون الخرائط ويضعون الثكنات فوق البقايا.
ما يجعل النص مشوقاً هو التوتر الداخلي فيه. غيران يحب الواحة حقاً. يصف النخيل والكروم والماء بتفاصيل شاعرية تذكر برحلة 1860. لكنه في الوقت نفسه يحتفل بالحامية العسكرية (ألفا جندي)، وبالكنيسة، وبالمدرسة، وبترقية دي لاروك إلى جنرال. النص يجمع بين الإعجاب بالطبيعة والأثر القديم، وبين الرضا عن السيطرة الفرنسية. الواحة جميلة لأنها «تدين بوجودها لوادي قابس»، لكنها أيضاً أصبحت مكاناً آمناً بفضل الجيش والكاهن.
بين إعجاب العالِم وارتياح المستعمِر، يبقى نص غيران مرآة صادقة لزمنٍ كانت فيه الواحة مشهدًا للجمال، والسيطرة في آنٍ واحد.