تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الأحد، 16 أغسطس 2026

واحة قابس وواحات الأعراض سنة 1907

دراسة نباتية ميدانية — 1907

واحة قابس وواحات الأعراض سنة 1907: دراسة النباتات المزروعة عند G. Babou

قراءة في دراسة «النباتات المزروعة في قابس وواحات الأعراض»، وموقع المطوية ضمن مجالها الزراعي

واحة قابس والنظام الزراعي المتعدد الطبقات عند G. Babou سنة 1907
واحة قابس: نظام زراعي متعدد الطبقات كما وصفه G. Babou سنة 1907

في سنة 1907 أنجز G. Babou دراسة بعنوان «النباتات المزروعة في قابس وواحات الأعراض»، خصصها للتعريف بالنباتات التي كانت تُزرع في واحة قابس والواحات والمناطق الزراعية المحيطة بها، مع تسجيل أسمائها العلمية والفرنسية والعربية، ووصف استعمالاتها ومواسم زراعتها وإزهارها.

وتكشف هذه الدراسة، إلى جانب قيمتها النباتية، عن صورة دقيقة نسبيًا للمشهد الزراعي والواحي في منطقة قابس في مطلع القرن العشرين، وعن التنوع الكبير للنباتات التي كانت تعيش داخل النظام الواحي.

قابس القديمة والواحة الخضراء

يستهل G. Babou دراسته باستحضار الوصف القديم لقابس، أو تاكاب، كما ورد عند بلينيوس الأكبر، حيث تظهر الواحة باعتبارها أرضًا شديدة الخصوبة وسط محيط من الرمال.

ويشير الوصف القديم إلى نظام زراعي متعدد الطبقات، تنمو فيه أشجار النخيل فوق الزيتون والتين والرمان، بينما تتشابك الكروم مع الأشجار، وتزرع تحتها الحبوب والخضروات والبقوليات.

وبعد مرور نحو عشرين قرنًا، يرى بابو أن المدينة القديمة اندثرت إلى حد كبير، ولم يبق من عمرانها سوى بقايا معمارية متناثرة أعيد استخدامها في المباني المحلية. أما الواحة، فقد بقيت حية: فوسط الرمال والكثبان، استمرت الأشجار والمحاصيل في تشكيل فضاء أخضر كثيف يختلف بصورة واضحة عن جفاف السهول المحيطة.

نظام زراعي متكامل

تُظهر الدراسة أن واحة قابس لم تكن مجرد تجمع لأشجار النخيل، وإنما كانت نظامًا زراعيًا متنوعًا يقوم على استغلال الطبقات المختلفة للفضاء الزراعي. ففي ظل النخيل كانت تنمو (انقر على كل نبتة):

  • الزيتون
  • التين
  • الرمان
  • الكروم
  • الموز
  • الحبوب
  • الخضروات
  • البقوليات

وكان هذا التنوع يسمح باستغلال الأرض بصورة مكثفة، والاستفادة من الظل الذي توفره الأشجار العليا، إضافة إلى الاستفادة من المياه داخل البيئة الواحية الجافة. وهذا ما يجعل وصف بابو مهمًا لفهم النظام الواحي التقليدي في قابس قبل التحولات الزراعية الكبرى التي عرفتها المنطقة خلال القرن العشرين.

مشهد الواحة في الربيع

يصف بابو واحة قابس في فصل الربيع باعتبارها مشهدًا نباتيًا شديد التنوع. ويلاحظ اختلاف درجات اللون الأخضر بين أشجار النخيل والرمان والتين والزيتون والموز والكروم. كما يلفت انتباهه تداخل النباتات وتشابكها، خصوصًا عرائش العنب التي تمتد بين النخيل والأشجار.

ومن خلال هذا الوصف، تظهر الواحة باعتبارها منظومة نباتية كثيفة، تتداخل فيها الأشجار المثمرة والنباتات الزراعية ونباتات الزينة ضمن فضاء واحد.

مجال الدراسة: من قابس إلى المطوية وتبلبو

لم تقتصر جولات G. Babou على مركز قابس، بل امتدت إلى عدد من المناطق والواحات المحيطة بها. ويذكر في دراسته تبلبو والمطوية ضمن المجال الذي تجول فيه، إلى جانب بوشمة ورأس الوادي والمناطق القريبة من الكثبان البحرية.

وتكتسب هذه الإشارات أهمية خاصة لأنها توضح أن الدراسة لم تتعامل مع قابس باعتبارها مدينة منفصلة، وإنما درستها ضمن مجال زراعي وواحي أوسع كانت تربطه شبكة من البساتين والعيون والمناطق الزراعية.

وبذلك تقدم دراسة سنة 1907 صورة عن المجال النباتي والزراعي الممتد حول قابس، بما في ذلك المناطق التي أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من الذاكرة الزراعية للجهة.

منهج G. Babou في دراسة النباتات

اعتمد بابو على الملاحظة المباشرة للنباتات في أماكن نموها، ثم استعان بالمراجع النباتية لتحديد أنواعها وتصنيفها. لكنه لم يعتمد على المعرفة العلمية وحدها، إذ قام خلال جولاته بجمع المعلومات من الأشخاص الذين كانت لهم علاقة مباشرة بالزراعة والنباتات، فاستفسر من:

  • البستانيون المحليون
  • الفلاحون وسكان الواحات
  • التجار
  • المالكون القدامى
  • المختصون الأوروبيون
  • العاملون في الإدارة الزراعية

وكان يهتم خصوصًا بمعرفة الأسماء العربية والمحلية للنباتات، واستعمالاتها، ومواسم زراعتها وإزهارها. وبذلك تجمع الدراسة بين المعرفة النباتية العلمية والمعرفة المحلية المتداولة في الواحة.

الأسماء العربية للنباتات

من الجوانب المهمة في دراسة بابو اهتمامه بتسجيل الأسماء العربية للنباتات إلى جانب أسمائها الفرنسية والعلمية. وهذا الأمر يمنح الدراسة قيمة تتجاوز الجانب الزراعي، لأن أسماء النباتات المحلية تمثل جزءًا من المعجم الزراعي التقليدي للمنطقة.

كما أن اختلاف أسماء النبات الواحد بين اللهجة المحلية في قابس ولهجات عربية أخرى كان من الأمور التي اهتم بها بابو، وهو ما يعكس التنوع اللغوي المرتبط بالنباتات والزراعة في تلك الفترة.

قابس والمطوية ضمن المشهد الزراعي نفسه

إن ورود المطوية في دراسة نباتية ميدانية تعود إلى سنة 1907 يبرز موقعها ضمن المجال الزراعي المحيط بقابس. فالمطوية لم تكن معزولة عن البيئة الواحية للجهة، وإنما كانت جزءًا من مجال يضم البساتين والنخيل والمناطق الزراعية والموارد المائية، وهو ما يفسر اهتمام بابو بإدراجها ضمن جولاته ودراساته.

وتتيح هذه الإشارة إمكانية مقارنة النباتات والمحاصيل التي كانت موجودة في المنطقة آنذاك بما بقي منها اليوم، كما يمكن أن تساعد في دراسة التحولات التي طرأت على الزراعة المحلية خلال أكثر من قرن.

بين المعرفة الزراعية المحلية والنظرة الاستعمارية

تتضمن دراسة بابو أيضًا ملاحظات نقدية حول طرق البستنة التي كان يتبعها سكان الواحات. فقد انتقد بعض الممارسات المتعلقة باختيار البذور، ومواعيد البذر، وتنظيم الري، ونظافة المزروعات والعناية بها، وقارنها بالممارسات التي كانت تُطبق في الحدائق والمزارع التابعة للمؤسسات والإدارة في ذلك الوقت.

ومن الضروري قراءة هذه الأحكام في سياقها التاريخي؛ فالدراسة أنجزت سنة 1907، أي خلال فترة الحماية الفرنسية في تونس، وبالتالي فهي تعكس أيضًا النظرة الزراعية والإدارية السائدة في البيئة الاستعمارية آنذاك.

ومع ذلك، تبقى المعلومات الميدانية التي جمعها بابو حول أسماء النباتات ومواسمها وانتشارها ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى دراسة تاريخ الزراعة في قابس وواحات الأعراض.

أهمية دراسة سنة 1907 اليوم

بعد أكثر من قرن على إنجاز دراسة G. Babou، تكتسب هذه الصفحات أهمية متجددة. فهي تسمح بالتعرف على جزء من الثروة النباتية الزراعية التي كانت موجودة في قابس ومحيطها سنة 1907، وتقدم وصفًا لنظام واحة يعتمد على تنوع الأشجار والمحاصيل واستغلال الظل والمياه والأرض في آن واحد.

كما تساعد الدراسة على فهم العلاقة بين الإنسان والواحة، وكيف تمكن سكان المنطقة من تطوير نظام زراعي متكيف مع البيئة الجافة، يقوم على التنوع والتكامل بين مختلف النباتات. وتكمن قيمتها أيضًا في أنها تسجل أسماء محلية ومعلومات ميدانية قد يصعب العثور عليها في المصادر الحديثة.

خاتمة

إن دراسة G. Babou لسنة 1907 ليست مجرد جرد للنباتات المزروعة في قابس وواحات الأعراض، بل هي صورة تاريخية لمشهد زراعي وبيئي كان لا يزال يحتفظ بكثير من خصائص الواحة التقليدية.

ومن خلال جولاته بين قابس وتبلبو والمطوية وبوشمة ورأس الوادي، سجل بابو تنوع النباتات، وأسماءها، واستعمالاتها، ومواسمها، كما وصف النظام الواحي الذي جعل من قابس فضاءً أخضر كثيفًا وسط بيئة جافة.

وبعد أكثر من مئة عام، تظل هذه الدراسة نافذة مهمة لفهم تاريخ الواحة والزراعة والنباتات في قابس ومحيطها، وفي مقدمتها المطوية، كما تتيح مقارنة المشهد الزراعي الذي وصفه بابو سنة 1907 بما تبقى منه في المنطقة اليوم.

واحة قابس وواحات الأعراض سنة 1907
التالي
هذه احدث مشاركة.
رسالة أقدم