سوق جارة وحاوي الأفاعي: مشهد من الحياة اليومية في قابس سنة 1901
شهادة L. Esteban في كتابه «رسومات تونسية» على سوق نابض بالتجارة والفرجة والمعتقدات الشعبية
المصدر
يقدّم لنا L. Esteban، في كتابه «رسومات تونسية – ذكريات ضابط في مكتب الشؤون العربية»، المنشور سنة 1901، وصفًا حيًّا لسوق جارة بمدينة قابس، يكشف من خلاله جانبًا من الحياة التجارية والاجتماعية في المدينة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
منتجات الحياة اليومية
لم يكن سوق جارة بالنسبة إلى الكاتب مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان عالمًا نابضًا بالتفاصيل. فقد لفت انتباهه ما كان يُعرض فيه من منتجات مرتبطة بالحياة اليومية والاقتصاد المحلي: السلال الضخمة المملوءة بالحبوب، وجرار الزيت، والقِرَب المصنوعة من جلود الماعز والمحشوة بالتمور المكبوسة، وهي مشاهد تعكس أهمية الحبوب والزيت والتمور في اقتصاد الواحة.
الخناجر والسجاد والتحف
كان السوق أيضًا فضاءً لتداول بعض السلع التقليدية والتحف القديمة، فيذكر الكاتب إمكانية المساومة على الخناجر، والمكاحل أو البنادق القديمة ذات الطابع الدمشقي، والسجاد القديم؛ مما يكشف أن السوق لم يكن مقتصرًا على المواد الغذائية، بل كان يحتضن تجارة الأدوات والأسلحة التقليدية والمنسوجات والأشياء ذات القيمة الرمزية.
حاوي الأفاعي
أكثر ما أثار اهتمام الكاتب كان مشهد حاوي الأفاعي في الشارع، حيث كان الناس، ولا سيما الرجال والأطفال، يتجمعون في حلقة حول رجل مسن يجلس على عقبيه، ويقرع بأصابعه على جلد الدربوكة ليصنع إيقاعًا يرافق عرضه. ويرسم إستيبان صورة درامية له، مشيرًا إلى برنسه البالي ووجهه الأسمر الشديد ونظرته الحادة وخصلة شعره الكثيفة المضفورة.
الثعبان والمزمار
أمام الحاوي كان يتحرك ثعبان، بينما تنتشر حوله ثلاثة أو أربعة عقارب كبيرة، ثم يبدأ الرجل بالعزف على مزمار من القصب، فيرفع الثعبان رأسه ببطء متابعًا حركة الآلة الموسيقية. ويشير الكاتب إلى أن هذا النوع من الثعابين كان يُعرف عند العرب باسم «بو فطيرة»، بسبب اتساع عنقه وتسطيحه جانبيًا عند رفعه رأسه.
مزيج من الفرجة والرمز
يزداد المشهد إثارة مع تفاعل الجمهور، الذي كان يطلق صيحات التعجب، بينما يمزج الحاوي كلامه بآيات من القرآن الكريم، فيظهر العرض بوصفه مزيجًا من الفرجة الشعبية والموسيقى والمعتقدات والرموز الدينية. وفي ختامه يضع الحاوي عقربًا على رأسه ويحيط عنقه بالثعبان، فيما يفترض الكاتب أن أنياب الثعبان ربما كانت قد نُزعت.
التمائم والشفاء
لم يكن العرض مجرد استعراض للتسلية، فقد كان ينتهي عادةً ببيع التمائم وقصاصات الورق وقطع السكر التي ينفث فيها الحاوي أنفاسه، باعتبارها أشياء اكتسبت البركة أو القدرة على الحماية والشفاء، ثم يحملها أصحابها إلى منازلهم في أكياس جلدية صغيرة تُعلَّق في شراشيب الشاشية، في مؤشر على اقتصاد صغير مرتبط بالمعتقدات الشعبية.
الخلاصة
إن وصف سوق جارة في نص إستيبان لا يقتصر على تسجيل مشهد طريف من الحياة الشعبية، بل يسمح بإعادة بناء صورة متعددة الأبعاد عن قابس في مطلع القرن العشرين: سوق تعرض فيه المنتجات الزراعية للواحة، وتباع فيه الأدوات التقليدية، ويلتقي فيه التجار والمتسوقون والأطفال، وتقام فيه عروض الشوارع، وتنتشر فيه الممارسات والمعتقدات الشعبية.
ويظل هذا النص، رغم لغته ونظرته الاستشراقية الواضحة، شهادة وصفية ذات أهمية تاريخية توثق الحياة اليومية لمدينة قابس في تلك المرحلة.