مدينة قابس في كتاب «الاستبصار في عجائب الأمصار»
النص الأصلي وتحليل جغرافي وتاريخي
يُعد كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار لمؤلف مراكشي مجهول من أهم المصادر الجغرافية والأدبية التي وصفت بلاد المغرب في عصر الموحدين. ألّف الكتاب بين سنتي 587 و591 هـ تقريباً (أي بين 1191 و1195 م). وقد خصص المؤلف صفحات مهمة لمدينة قابس، فقدم وصفاً دقيقاً يجمع بين الملاحظة الميدانية والذهنية الأدبية.
مقدمة
فيما يلي النص الأصلي كما ورد في الكتاب (ص 112-113 من طبعة دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986)، ثم تحليل موجز لأبعاده الجغرافية والاقتصادية والحضارية، مع الإشارة إلى الإطار الزمني.
النص الأصلي
مدينة قابس: وتعد أيضا من بلاد الجريد، بينها وبين طرابلس 8 أيام، وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية وعليها سور صخر جليل من بناء الأول، ولها حصن حصين وأرباض واسعة؛ وفيها فنادق وحمامات؛ وقد أحاط بجميعها خندق كبير يجرون إليه الماء إذا خافوا من نزول عدو إليهم فيكون أمنع شىء.
ولها واد يسقى بساتينها وأرباضها ومزارعها؛ وأصل هذا الوادى من عين خرارة فى جبل بين القبلة والمغرب، وهو يصب فى البحر. وبين مدينة قابس وبين البحر نحو 3 أميال وجناتها أكثر إلى البحر، وهى كثيرة الثمار والموز بها كثير وليس بإفريقية موز إلا فيها؛ وفيها شجر التوت كثير ويربى بها الحرير، وحريرها أطيب الحرير وأرقه وليس يعمل بإفريقية حرير إلا بها. وهى مدينة فخيرة بحرية صحراوية، والصحراء منها قريبة، فيقال إنه ما اجتمع فى مائدة رجل 3 أشياء متضادة المواضع إلا فى مائدة من يسكن قابس: يجتمع فيها الحوت الطرى ولحم الغزال الطرى والرطب الجنى. فهى حاضرة هذا الإقليم وقطبه وروحه وقلبه، ومركز دائرته التى عليها يدور محيطه وبالاستناد إليه يتمهد رحبه، والله يعصمنا بعزته.
تحليل النص
1الإطار الزمني للنص والآثار
كُتب هذا الوصف في أواخر القرن السادس الهجري / أواخر القرن الثاني عشر الميلادي (حوالي 1191-1195 م)، في عهد الدولة الموحدية. أما الآثار التي يذكرها المؤلف («سور صخر جليل من بناء الأول» و«مدينة قديمة أزلية») فترجع إلى عصور أقدم بكثير، على الأرجح إلى الفترة الرومانية أو ما قبلها (القرون الأولى للميلاد أو أقدم)، إذ كانت قابس (تاكابس الرومانية) مدينة مهمة في إفريقية البروقنصلية. فالنص يصف مدينة حية في عصر الموحدين، بينما يشير إلى بقايا عمرانية تعود إلى ما يقارب ألف سنة أو أكثر قبل زمن المؤلف.
2الموقع الجغرافي والموضع الاستراتيجي
يحدد المؤلف قابس ضمن «بلاد الجريد»، ويبين المسافة بينها وبين طرابلس (ثمانية أيام)، وهي مسافة تتوافق مع طرق القوافل في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي. كما يذكر قربها من البحر (نحو ثلاثة أميال) وقرب الصحراء منها، مما يجعلها مدينة «بحرية صحراوية» في آن واحد. هذا الموقع المزدوج هو ما يفسر العبارة الشهيرة عن اجتماع «الحوت الطري ولحم الغزال الطري والرطب الجني» على مائدة واحدة، وهي صورة أدبية تعبر عن التقاء ثلاثة عوالم: البحر والصحراء والواحة.
3البنية الدفاعية والعمران
يصف النص سوراً من الصخر «من بناء الأول»، وحصناً حصيناً، وأرباضاً واسعة، وخندقاً كبيراً يُملأ بالماء عند الخطر. هذا الوصف يؤكد أهمية قابس كمدينة محصنة في جنوب إفريقية أواخر القرن 12م، قادرة على الدفاع عن نفسها في زمن الاضطرابات. وجود الفنادق والحمامات يشير إلى نشاط تجاري وسياحي نسبي، وإلى مستوى حضري متقدم في ذلك العصر.
4الموارد المائية والزراعة
يُبرز المؤلف وادي قابس الذي ينبع من «عين خرارة» في جبل بين القبلة والمغرب ويصب في البحر. هذا الوادي هو شريان الحياة للبساتين والمزارع والأرباض. ويذكر كثرة الثمار عامة، والموز خاصة، مؤكداً أن الموز لا يوجد في إفريقية إلا فيها. كما يشير إلى كثرة شجر التوت وتربية دودة القز، مما يجعل قابس مركزاً فريداً لإنتاج الحرير «الأطيب والأرق» في المنطقة في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.
5البعد الاقتصادي والحضاري
الوصف لا يقتصر على الجغرافيا؛ بل يرسم صورة اقتصادية واضحة لمدينة قابس في عصر الموحدين: زراعة متنوعة (رطب، موز، فواكه)، وصناعة حرير راقية، وتجارة بحرية وصحراوية. العبارة الأخيرة التي تجعل من قابس «حاضرة هذا الإقليم وقطبه وروحه وقلبه» تعكس نظرة المؤلف إلى المدينة كمركز إقليمي حيوي في أواخر القرن 6هـ / 12م.
6الأسلوب الأدبي
يمتزج في النص الوصف العلمي بالبلاغة الأدبية. فالجملة الطويلة عن المائدة الثلاثية، والتشبيهات الختامية (القطب، الروح، القلب، مركز الدائرة) تحول الوصف الجغرافي إلى صورة شعرية تقريباً. وهذا من سمات الكتاب عامة، حيث يجمع بين دقة المسالك والممالك وروح أدب الرحلات في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي.